الجزء الثاني: حدود جريمة الجنسية المثلية أو تطور حق احترام الحياة الخاصة

جريمة الجنسية المثلية، أيْ معاقبة العلاقات الجنسية المرتكبة سرا من جانب بالغين متراضين من نفس الجنس، يقيدها، وفقا للعميد كاربونييه Doyen Carbonnier، تطور مجال بعينه للحميمية يصعب تحقيقه في القانون الجزائي. وهذا المنطق الخاص يتجلى عبر حق احترام الحياة الخاصة. وهو في الواقع حق ينبغي احترامه.
إن الأمر يتعلق بواجب عدم التدخل، عدم التدخل في شؤون الغير. غير أن مفهوم الحياة الخاصة ذاته لا يبدو أنه مفهوم من السهل تحديده.
وبالفعل فإن دراسة دقيقة للنصوص القانونية لا يشهد على وجود حكم عام يشمل حماية الحياة الخاصة (1). في حين أن نمو هذا المفهوم له مجموعة من الرهانات والاهتمامات (2) النظرية جدا، وهذا على مستوى مفهوم الحياة الخاصة والعملية والعلاقة بين الحقوق والحريات الفردية وتدخل الدولة، وهذا على مستوى تأثير حق احترام الحياة الخاصة على الاختيارات الجنسية.

الفقرة 1: حماية الحياة الخاصة: من قصور القانون الوطني إلى الاعتراف في القانونين الدولي والمقارن

لا يكشف فحص القانون التونسي عن وجود حكم عام يكفل احترام الحياة الخاصة على غرار المادة 9 من القانون المدني الفرنسي (بعد قانون 17 يوليو 1970) الذي ينص على: «لكل شخص الحق في احترام حياته الخاصة». ومن المفارقات أن القانون التونسي يخصص هذا المبدأ لما يمثل حماية الطفل. وذلك أن مجلة حماية الطفل222 تنص على أن «لكل طفل الحق في احترام حياته الخاصة ...».
ومن المؤسف أن هذا الاعتراف بحق الطفل في احترام حياته الخاصة لم يصاحبه حكم مماثل مطبق على كل شخص، إلا إذا اعتبرنا أن مثل هذه الحماية منصوص عليها في الدستور بالفعل.
وعلى هذا المستوى تعلن المادة 5 من الدستور التونسي الصادر في أول يونيو 1959 أن: «الجمهورية التونسية تضمن حرمة الفرد». وهذا الحكم الذي هو واسع يمكن أن يشمل إلى جانب المكون البدني للشخص البشري، المكون المعنوي لهذا الشخص وبصورة أدق حياته الخاصة.
ولحسن الحظ فإن هذا القصور وهذا العمل غير المنجز للقانون الوطني قد تجاوزه القانون الدولي وبصورة خاصة العهد الدولي بشأن الحقوق المدنية والسياسية223. وتنص المادة 17 من هذا العهد على أنه «لا يجوز أن يكون أحد عرضة للتدخلات التعسفية في حياته الخاصة، أو أسرته، أو مسكنه، أو مراسلاته، ولا تجوز للتعديات غير القانونية على شرفه وسمعته. ولكل شخص الحق في حماية القانون ضد مثل هذه التدخلات أو مثل هذه التعديات».
ومن الجلي أن هذا الحكم يشمل مفهوم الحياة الخاصة ومكوناتها: الأسرة، المسكن، الشرف، السمعة... ويجري إعلانه على شكل حقيقة عامة وله قيمة مبدئية كرسها القانون الوطني لدول عديدة224، وكذلك في القانون الذي سمح بتطوير كبير في مفهوم الحياة الخاصة، أيْ القانون الأوروبي225.

الفقرة 2: تأثير قانون احترام الحياة الخاصة على حرية الميول الجنسية

أين ينتهي المجال الخاص وأين يبدأ تدخل السلطة العامة؟ تعلن الإجابات التي أتى بها القانون أن الحرية هي المبدأ في حين أن القيود على الحرية لا يمكن إلا أن تكون استثنائية226. وهي تعلن أيضا أن هذه القيود لا يمكن أن يبررها «إلا قانون يتخذ لاحترام حقوق الغير ولصالح الأمن العام والدفاع الوطني ولازدهار الاقتصاد وللنهوض الاجتماعي»227.
وعند هذا المستوى، نتساءل عما إذا كان فعل جنسي مرتكب سرا بين بالغين من نفس الجنس ومتراضيين يهدد حقوق الغير أو يخل بالنظام والدفاع الوطني أو يمنع ازدهار الاقتصاد أو النهوض الاجتماعي!!
وعلى هذا النحو فإننا ننضم إلى منطق ج. بنتام J. Bentham الذي تساءل عن وجود جريمة العلاقات الجنسية المثلية بين البالغين المتراضين، معتبرا أن «هذه العلاقات لا تحْدث أي ضرر أولي بل لذة»228.
والواقع أن هذا النوع من المنطق هو الذي يقود المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إلى أن يقرر في 1981 في قضية دادجيون أنه لا يمكن أن يكون فيها تدخل من سلطة عامة في ممارسة حقوق الحياة الخاصة... وأنه لهذا ينص القانون على هذا التدخل حين يشكل تدبيرا ضروريا في مجتمع ديمقراطي، للأمن القومي، وللأمن العام، وللرخاء الاقتصادي للبلاد، ولحماية الصحة أو الأخلاق، أو لحماية حقوق وحريات الغير. وفي مجتمع ديمقراطي فقط يمكن لأسباب خطيرة بصورة خاصة تجعل من الضروري التدخل من جانب السلطة العامة. والواقع أنه لا يوجد دافع خطير يبرر التكييف الجزائي للأفعال الجنسية المثلية.
ويمكن أن يأتي قانون احترام الحياة الخاصة بقيد جدي على تجريم الجنسية المثلية. والواقع أن حماية الحياة الخاصة من مختلف التدخلات لا يمكن إلا أن تكون مفيدة في سبيل الحماية الأكثر حميمية للحياة الخاصة أي العلاقات الجنسية. غير أننا نتساءل حول الآليات التي تصلح لحماية الحياة الخاصة وبطريقة غير مباشرة العلاقات الجنسية بين البالغين من الجنس نفسه.
وعند هذا المستوى، تتألف الحياة الخاصة في آن واحد من إطار مادي-جغرافي، أيْ المسكن الذي يستفيد من حماية قانونية ودستورية (أ) وإطار أخلاقي-سيكولوجي يتعلق بالشرف والمصداقية المحميين على المستويين المدني والجزائي (ب).

أ- حرمة المسكن أو حماية: المكون الجغرافي للحياة الخاصة

تضمنت المادة 9 من الدستور التونسي بصراحة «حرمة المسكن». وعلى هذا النحو، من الاعتراف بها دستوريا، تشكل حماية المكون الجغرافي للحياة الخاصة وسيلة لفرض احترام «الحياة الخاصة». ولهذا تتخذ الحماية طابعا جغرافيا. وتسمح حرمة المسكن، وفقا لـ G. Cornu بـ «الاعتراف بنطاق له حدود تنتهي عنده سلطة الغير وتسود داخله سيادة صغيرة»229.
وتسمح حرمة المسكن بضمان المجال الجغرافي للشخص ضد التدخلات السلطوية في مجاله الحميم. ومن هذا الجانب فإن «الجنسي المثلي/الجنسية المثلية، مثل كل مواطن هو السيد الوحيد لنفسه تحت حماية القانون والقضاة»230.
وحماية المسكن ضد تدخلات الغير والسلطة العامة تجعل مسكن الجنسي المثلي يستفيد من مثل هذه الحماية.
وعلى هذا النحو فإن حرمة المسكن لا يمكن إلا أن تكون مفيدة للتقليل من تأثير تجريم الأفعال الجنسية المثلية المرتكبة سرا، أيْ داخل مسكن أحد الشريكين. ويضمن الدستور ذاته ومختلف النصوص القانونية حرمة مثل هذا المسكن.
وهذه الحماية عامة. ومع هذا فإنها ليست مطلقة. والواقع أن الجنسي المثلي يستفيد من حرمة مسكنه وهذا من جانب توسيع مفهوم المسكن (1)، وكذلك عن طريق توسيع الحماية ذاتها التي هي في آن واحد مدنية وجزائية (2).

1- توسيع مفهوم المسكن
حماية الحياة الخاصة ممنوحة لكل شخص في المكان الذي يقيم فيه. وليس المقصود فقط ما يعتبر بالمعنى التقني مسكنه. بل المقصود أيضا مكان إقامته231. وعند هذا المستوى، اعتمد القانون التونسي مفهوما أوسع للمسكن وهذا على مستوى النصوص مثلما على مستوى القضاء. وبالفعل فإن القانون الجزائي يقدم في مواده 267 وما تلاه تعريفا واسعا جدا لمكان السكن. فهذا المكان يمكن أن يتألف وفقا للفصل 267 من «كل مبنى، أو مركب، أو خيمة، أو مكان مسوّر يصلح لسكنى الإنسان»، «الأفنية، وأفنية الدواجن، والإسطبلات، والمباني المعدلة إلى أحد المساكن المذكورة في الفصل 267، حتى إذا كان لها سور خاص ضمن سياج أو نطاق عام»232.
ومن جانبه يواصل القضاء، الجزائي بصورة خاصة التوجه وفق، هذا الاتجاه نفسه ويعتبر المحل التجاري مكان إقامة إذا كان التاجر يتخذه للسكنى بالتوازي مع نشاطه التجاري233. وينطبق الشيء نفسه على غرفة على سطح يستخدمها المالك كمغسل للملابس فقط234. ويؤثر توسيع مفهوم المسكن في توسيع النظام القضائي للمسكن وبصورة خاصة الحرمة. ولكن فيم يتمثل حق حرمة المسكن وكيف يمكن أن يكون وسيلة تخفيف من جريمة الجنسية المثلية التي ينص عليها الفصل 230 من القانون الجزائي؟

2- وسائل لتأمين حرمة المسكن
حرمة المسكن ضد كل تدخل عام أو خاص وبالتالي حماية الحياة الخاصة من حيث مكونه الجغرافي تضمنها مجموعة من الوسائل المرتبطة بالقانون المدني والجزائي.

أ- حرمة المسكن في القانون المدني
من خلال حقوق ارتفاق تنظمها مجلة الحقوق العينية235 تجري حماية الحياة الخاصة في المسكن.
وبالفعل فإن مجلة الحقوق العينية قامت بتنظيم «المطلات على ملك الجار»236. وعلى هذا النحو فإن المواد 172 والتالية من مجلة الحقوق العينية تهدف إلى الحد من، وحتى حظر، كل المطلات غير المصرح بها على ملك الغير وهذا بتنظيم غرس الأشجار أو إنشاء المباني237 أوفتح نافذة في الجدران المشتركة238.
وهذه القواعد، حتى وإنْ كانت مدرجة في قانون حماية الحقوق العينية المتعلقة بمختلف الأموال، لها تأثير مباشر على حماية الملك والحياة في الملك، اللتين تشكلان خاصيتين للشخصية. وهذه الرغبة من جانب قانون الحقوق العينية في أن يجعل المسكن الخاص مكان ملاذ ومأوى حيث يمكن للشخص إذا أراد، أن يعيش وحيدا وهادئا في مأمن من التعديات والتدخلات، تحمي حميمية كل شخص، بما في ذلك حميميته الجنسية.
وعلى هذا النحو فإن الحقوق العينية، مرتبطة بالنظام القانوني للأموال، مصممة لحماية الأملاك الخاصة،وهي يمكن أن تفيد في حماية الحياة الخاصة. ويتعزز هذا أكثر عن طريق تطبيق قواعد القانون الجزائي.

ب- الحماية والضمانات الجزائية لحرمة المسكن
يباشر القانون الجزائي حماية المسكن بقدر ما يكون مكانا أو إطارا جغرافيا. ومن جهة أخرى يعمل قانون الإجراءات الجزائية على حماية الحياة الخاصة في المسكن وهذا من خلال تنظيم التفتيشات والملاحقات.
والمسكن محمي بالقانون الجزائي في إطار التعديات ضد الملكية وفي المحل الأول انتهاك ملكية المسكن239. وبذلك يعاقب بالسجن ثلاثة أشهر الاستيلاء على ملك الغير بالقوة، وكذلك الدخول أو البقاء ضد إرادة المالك في مكان يستعمل كمسكن240.
والمسكن محمي في المقام الثاني باعتباره ملاذ الحياة الخاصة. وهذه الحماية مضمونة بصورة خاصة في قانون الإجراءات الجزائية241 الذي أحاط الملاحقات والتفتيشات بالمنزل بمجموعة من الشروط والإجراءات يتمثل تأثيرها في احترام مبدأ حرمة المسكن.
ويتمثل الهدف من وراء هذه الأوضاع والإجراءات في إحاطة الملاحقة والتفتيش بمجموعة من الضمانات التي تكفل حرمة المسكن، بحيث لا تكون حرمة الحياة الخاصة استثناء على القاعدة. وعلى هذا النحو. يتم عقاب المأمورين العامين أو أمثالهم الذين يجرون أبحاثا وتفتيشات من خارج الصيغ والإجراءات التنظيمية242. ويستوجب عدم احترام هذه الشروط أو انتهاكها عدم قانونية الإجراء الذي تقوم به السلطة العامة243.
غير أننا أوضحنا مع الأسف أن محكمة التعقيب/ التمييز244 اعتبرت في قرارها الصادر في 9 ماي/أيار 1984 أن تفتيشات المساكن التي يتم إجراؤها دون تصريح من صاحب المنزل لا تستوجب إبطال نتائج التفتيشات والزيارات، ولا تبطل الأدلة المجمعة عند الزيارات. وهذا التوجه يمثل خطرا على حقوق المتقاضين، لأنه يهدد الحريات الشخصية فاتحا الطريق أمام تفتيشات غير مصرح بها للمساكن. ويفضي هذا إلى انعدام الأمن في العلاقات بين السلطة المسئولة عن التحقيق والمواطنين الذين يشعرون بأنهم مهددون في حرم مسكنهم. ويحدّ هذا، بل يلغي، حق احترام الحياة الخاصة.

ب- حماية المكونات السيكولوجية للحياة الخاصة

على العكس من حماية الحياة الخاصة في إطار المسكن، يتجاوز مفهوم الحياة الخاصة الإطار الجغرافي. وبالفعل فإن حقوق الشخص وبصورة خاصة احترام حياته الخاصة، في تناقضها مع الحياة العامة ومع الجانب العام للحياة المهنية، تشمل الحياة الأسرية والزوجية، حياة الحب أو الحياة العاطفية، علاقات الصداقة، أوقات الفراغ، الجانب الخاص للعمل المهني، المصير الشخصي...
وعلى هذا النحو فإن احترام الحياة الخاصة يشمل الحياة الخاصة نفسها خارج المسكن، أو وفقا لعبارة Cornu .G «حماية القانون تشمل الحياة الخاصة، حتى خارج المسكن»245.
وفي هذا الإطار فإن الجنسي المثلي/الجنسية المثلية باعتباره شخصا له ميولات جنسية غير شائعة يصطدم بمجموعة من التدخلات في حياته الخاصة، تمسّ شرفه وحقه في السرية.

1- حق الشرف وسيلة لحماية الحميميات الجنسية
يشمل حق الشرف مجموعة حقوق مرتبطة بالشخص وبصورة خاصة الحق في الصورة وفي السمعة. ويشكل هذا الحق المعترف به بجلاء في القانون الجزائي، والمقرّ جزائيا ومدنيا، سلاحا رهيبا في النضال ضد كل تدخل في الاختيارات والممارسات الجنسية لكل شخص بما في ذلك الأشخاص المثليون جنسيا. إلا أنه يجب التذكير أن القضاء التونسي لم تتسن له فرصة التعرض لهذه المسألة. إلا أنه يمكن تطويع النص القانوني ليشمل هذه الحالات.
وعلى هذا النحو فإن من يطعن في شرف شخص عن طريق القذف أو النميمة (أ)، وكذلك عن طريق استخدام صورته (ب) يكون مسؤولا جزائيا ومدنيا. وبالتالي ففي غياب سلطة توجب «ردّ الشرف»، فإنه يحق للضحية طلب التعويضات و/أو الإجراءات الخاصة بإنهاء التعدي على الشرف.

أ- «طعون في شرف أو سمعة الأشخاص»
هذا العنوان المقتبس من القانون الجزائي246 يوجز في الواقع مختلف الطعون ضد شرف الأشخاص. ويمكن أن تتخذ الطعون شكل القذف والإهانة بالأقوال أو الكتابات.
وعند هذا المستوى تحدد المجلة الجزائية247 وكذلك قانون الصحافة248 النظام القانوني للقذف والإهانة من خلال تدقيق معناهما وعقوبتهما.
وفيما يتعلق بالقذف فإنه يتم تعريفه في المادة 245 من المجلة الجزائية على أنه «كل دعوى أو نسبة أمر لدى العموم فيه هتك شرف أو اعتبار إنسان أو هيئة شرعية». وهذا التعريف ذاته منقول بالكامل في قانون الصحافة249.
وفيما يتعلق بالإهانة فهي تتمثل في «كل تعبير مهين، أو لفظة ازدراء... لاتشتمل على الاتهام بأية واقعة محددة»250.
ويمكن أن تفيد هذه الإدانة من جانب القانون لهذين الشكلين للطعون في شرف وسمعة الشخص في حماية الحياة الخاصة للجنسي المثلي/الجنسية المثلية وبصورة خاصة حميمياته وميولاته الجنسية.
وقد أفسحت هذه الأحكام ذاتها مجالا في القانون المقارن لإدانة طبع معلومات عن الجنسية المثلية حقيقية كانت أم مفترضة بدون موافقة الشخص المعنيّ ودون أيّة منفعة من المعلومات251.
وفيما يتعلق بالمكتوب، فقد أدانت المحكمة العليا بباريس، بالتعدي على الحياة الخاصة، مجلة أدبية أشارت إلى الجنسية المثلية لرجل كان يعيش في منزل مع رجل آخر على مدى أعوام252.
وعلى هذه الأسس ذاتها ولكن على المستوى الجزائي، فإن الأحكام القضائية المقارنة مستمرة أيضا في إدانة الإهانة والقذف253.
ب- الحق في الصورة وسيلة لحماية الحياة الخاصة
وإنما على أساس الحق في الحياة الخاصة جري إقرار الحق في الصورة الذي يسمح لكل شخص بأن يعترض على توزيع صورته دون موافقته254، والحق في الصورة الخاصة حق للشخصية، حق أصلي يحمي الشخص في حريته، وحميميته، بل حتى في أمنه255.
وهذا الحق الذي لم تتم صياغته في نص قانوني جري العمل به بكل وضوح من جانب القضاء المدني التونسي. وبالفعل فإن محكمة التعقيب256 حكمت في قرارها رقم 67367 بتاريخ 3 ديسمبر 1986 بأنه «ليس للفاعل أيةّ صفة قانونية للتدخل في الحياة الخاصة للأشخاص، من خلال نشر سلوكهم وصورهم بدون تصريح منهم، الأمر الذي يشكل تعديا على حرمة الشخص».
وتعتبر المحكمة «حق الصورة مبدأ يستوجب انتهاكهُ مسؤولية الفاعل ويجبره على تعويض الضحايا».
ويمكن أن يفيد هذا المبدأ في حماية الحياة الخاصة والتفضيلات الجنسية للأشخاص. فالذكر المثلي/الأنثى المثلية، مثل كل مواطن، له الحق في أن يطالب بأن تحترم صورته.
وتضمن السلطات القضائية في القانون المقارن عند هذا المستوى حماية فعالة.
أما في القانون المقارن فقد أدانت محكمة استئناف باريس، باعتباره تعديا على حق الصورة، النشر الذي صور بالرسومات مقالا مخصصا للجامعة الصيفية الجنسية المثلية مع الصورة الفوتوغرافية للمدعي بالحق المدني دون تصريح منه257. واعتبرت المحكمة نفسها أن نشر الصورة الفوتوغرافية للمدعي في مجلة مخصصة للجنسيين المثليين دون موافقة المعني يشكل تعديا على حقه في الصورة258.
وبالطريقة نفسها فإن شبكة التليفزيون التي تعيد في إطار الجريدة المتلفزة نشر مقتطفات من ريبورتاج عن الجنسية المثلية إنما تطعن في الحق في الصورة لقرينين جنسيين مثليين يشاركان في الريبورتاج259.
وأخيرا فإن المحرر الذي ينقل الصورة الفوتوغرافية للمدعي بالحق المدني بحجة أنه مرشد جنسي مثلي إنما يرتكب تعديا على حياته الخاصة260.
ونخلص إلى واقع أن الحق في الصورة مثل الحق في الشرف، إذ يشكلان جزءا من حق الحياة الخاصة، يتجاوزان الإطار الجغرافي للحياة الخاصة، أيْ المسكن. ويتعارض هذا الحق مع التعديات على الصورة عن طريق الصورة الفوتوغرافية في مكان عام دون موافقة الشخص المعنيّ.

2- الحق في الخصوصية وحماية التفضيلات الجنسية
هذا الحق في الخصوصية حق يتألف من حرمة المراسلة، والسر المهني، وحق الجلسة السرية أو حتى المحافظة على أسرار المتهمين وشرفهم.
إن سرية المراسلات، المضمونة في الدستور261، ينظمها القانون الجزائي262، وكذلك بعض أحكام قانون الإجراءات المدنية والتجارية وهى تلك المتصلة بالمصادرة263.
وباعتبارها حقا يضمن خصوصية المعلومات المنقولة عن طريق البريد، يمكن أن تكون سرية المراسلة وسيلة لا يستهان بها للمحافظة على التفضيلات والممارسات الجنسية للمتراسلين.
وعلى هذا النحو تنص المادة 308 من قانون الإجراءات المدنية والتجارية264 على أنه من «غير القابل للمصادرة... 3/الرسائل والأوراق الشخصية». وهذا النص العام إذا أضفنا إليه الفصل 253 من القانون الجزائي الذي يتحدث عن «كل وثيقة» يمكن أن يؤمن مجالا واسعا جدا لحماية خصوصية الحياة الخاصة.
ولنتذكرْ أخيرا أن حق خصوصية المعلومات الخاصة بالشخص أو المتعلقة به يتجاوز الإطار الوحيد للمراسلة ليشمل كل المعلومات وكل المعطيات التي يمكن، حالما يتم إفشاؤها، أن تقدح بالشخص.

فيما يتعلق بالسر المهني:

إن تطبيق الفصل 254 من القانون الجزائي265 يجبر الأطباء على ألا يقوموا بإفشاء المعلومات التي لديهم عن مريض، تحت طائلة ارتكاب جريمة انتهاك السر المهني266.
وعلى هذا النحو فإن الحالة الصحية للشخص الجنسي المثلي تدخل في مجال الحياة الخصوصية ولهذا تستفيد من الحماية المكفولة بصورة خاصة للسر المهني (الطبي).
وبما أن الحالة الصحية، والممارسات، والتفضيلات الجنسية، وثيقة الارتباط. فإن الأطباء الذين يحصلون على مجموعة من المعلومات عن الحياة الحميمية لمرضاهم ملزمون بالمحافظة على خصوصية هذه المعطيات تحت طائلة ارتكاب جريمة انتهاك السر المهني267.
يبدو أن نظاما قانونيا قد تشكل حول مفهوم الحياة الخاصة وحق احترام هذه الحياة.
ويدمج هذا النظام في آن معا عناصر مادية (المسكن، الصورة، المراسلة) إضافة إلى عناصر سيكولوجية (الشرف، السمعة، الحميمية، الخصوصية...). كما يقدم حق احترام الحياة الخاصة ميزة إذ تلتقي عليه القوانين المدني، والجزائي، والإداري، والإجرائي. وفي هذا الإطار يمكن أن يأمر القاضي بأن تكون الجلسة سرية268، وهذا، بين أشياء أخرى، من أجل «حماية» «الأخلاق» أو بالاستناد إلى «حرمة الأسرة»269.
كما أن الصحفيين ملتزمون بعدم «نشر قرارات الاتهام والأعمال الإجرائية الجزائية قبل قراءتها في جلسة علنية». وهو يحظر عليهم النشر «بكل الوسائل وبصورة خاصة عن طريق الصور الفوتوغرافية، وأعمال الحفر، والرسومات، والبورتريهات، والأفلام، كليا أو جزئيا، ظروف إحدى الجرائم أو الجنح المشار إليها في الفصول 201 إلى 204 المندرجة في القانون الجزائي»270.
وقد صيغ النص وفق هذه المعايير بهدف المحافظة على الحميمية، حتى من أجل أولئك الذين ارتكبوا جنحا أو جرائم. صحيح أن الحكم القضائي سوف يحرمهم مؤقتا من حريتهم، ولكن الحكم لا يسلبهم بأي حال من الأحوال شرفهم واحترام حياتهم الخاصة.