القانون والمثلية الجنسية دراسة مسحية وتحليلية لأغلب تشريعات البلدان العربية

القانون والمثلية الجنسية دراسة مسحية وتحليلية لأغلب
تشريعات البلدان العربية

د. وحيد الفرشيشي
أستاذ القانون بالجامعة التونسية

إن دراسة المثلية الجنسية في قوانين الدول العربية ليست باليسيرة. ذلك أن عديد الصعوبات تعترض مثل هذا العمل:
من حيث المنهج تستوجب الدراسات القانونية الإلمام بالتشريعات حتما ولكنها تستوجب أيضا النظر في مختلف تطبيقاتها سواء من قبل القضاء في إطار الأحكام الصادرة عن مختلف المحاكم وقبل ذلك مختلف أجهزة الأمن القائمة على حفظ النظام العام.
إلا أنه وفيما يتعلق بدراسة المثلية تتوفر المعلومات التشريعية وتغيب إلى حد كبير القضايا والأحكام المنشورة. ويصعب الحصول على محاضر وأعمال أجهزة الأمن والتي لا يمكن الاطلاع على بعضها إلا من خلال ما يرد في وسائل الإعلام.
من ناحية توفر الدراسات القانونية المتعلقة بالمثلية فإنه يصعب توفرها وإن توفرت فهي دراسات جامعية أكاديمية غير منشورة1.
فالمثلية الجنسية عموما والمثلية في القانون لا تتوفر بشأنها المعطيات والدراسات العلمية الدقيقة ذات البعد العلمي المطلوب.
على مستوى مراجع البحث تم اللجوء إلى المصادر المكتوبة المتوفرة والخاصة بالمثلية في القانون (وهي نادرة) إلا أنه تم النظر في المراجع العامة وخاصة ما خصص منها للإجرام الجنسي أو الجرائم الأخلاقية والتي عادة ما تتضمن مبحثا أو نبذة عن المثلية الجنسية. إلا أنه، ولاستكمال هذا النقص فإن من الواجب النظر في مصادر أخرى غير أكاديمية. تتمثل أساسا في المقالات والأعمال المنشورة سواء في وسائل الإعلام التقليدية (جرائد- مجلات...) أو عبر الأنترنات خاصة فيما يتعلق بالقضايا والأحكام والتتبعات العدلية للأفعال المثلية. وهي معلومات تنشر على مواقع متعددة سواء الحقوقية (المتعلقة أو المدافعة عن حقوق الإنسان) أو المواقع المثلية (عربية كانت أو أجنبية) إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن الأخذ بهذه المصادر والمعلومات الواردة فيها كان بكثير من التحفظ. لصعوبة التثبت من صحتها وردود الحكومات عليها إما بالنفي أو بالقدح في مصداقيتها.
هذه المعوقات المنهجية، لا يمكن أن تحجب عنا ما لمسألة المثلية والقانون من أهمية خاصة في تشريعات البلدان العربية.
فالقانون بوصفه مجموعة القواعد العامة والمجردة والملزمة يعكس مجموعة من المعطيات الإيديولوجية والدينية والثقافية والاجتماعية وتجسد رؤيته لما يجب أن تكون عليه الأوضاع والعلاقات الاجتماعية. هذا القانون تحكمه أيضا مجموعة عوامل متطورة كالتطور العلمي والتداخل الثقافي.
والقاعدة القانونية في حد ذاتها لها فلسفتها الخاصة: فالقول بأن القانون يحمي المجتمع ويحمي الأفراد في حقوقهم وعلاقاتهم يجعل من القاعدة القانونية صاحبة هدف تحاول تحقيقه بما يراه المجتمع في زمن معين الأنسب لبلوغه: فالقاعدة القانونية يمكنها أن تعتمد البعد الوقائي، أو الردعي أو التحفيزي أو غيرذلك من الوسائل. هذه الوسائل المختلفة بإمكانها أن تتكامل لتحقيق استقرار المجتمع وحماية الأفراد داخله.
فالقانون يقف عادة بين ما هو عام مشترك وبين ما هو خصوصي وذاتي. وهذه العلاقة بين الخاص والعام (والتي تطورت حتى في التشريعات العربية) نجدها تطرح بجدية فيما يتعلق بالعلاقات الجنسية عموما، وفيما يتعلق بالمثلية الجنسية بوجه أخص. نظرا لما تطرحه العلاقات الجنسية في التشريعات العربية من مشاكل ترتبط بالأساس بما هو جائز وما هو محرم.
وبالرجوع إلى التشريعات العربية والتي تسنى لنا العمل عليها (التشريعات التالية: موريتانيا، الجزائر، تونس، ليبيا، مصر، فلسطين، لبنان، سوريا، الأردن، العراق، المملكة العربية السعودية، قطر، الإمارات العربية المتحدة، البحرين، الكويت، اليمن، الصومال والسودان) نلاحظ أن أغلبها إما يجرم صراحة المثلية في قانون العقوبات أو يطوع قواعد غير مباشرة لتشمل الأفعال الجنسية المثلية.
هذا التعامل الزجري مع المسألة لا يخلو من بعض المشاكل الأساسية ذلك أنه بالرجوع إلى هذه التشريعات نلاحظ التفاوت فيها والاختلاف الذي يطبعها سواء على مستوى مفهوم الفعل المثلي في التشريعات العربية أو على مستوى الاختلاف في إقرار الفعل المثلي في هذه التشريعات وأسباب تجريمه مما نتج عنه اختلاف في العقوبات المخصصة لذلك. إلا أن ذلك يجب أللا يحجب عنا مخاطر هذا التجريم على الفرد وعلى منظومة حقوق الإنسان ككل.
إن دراسة المثلية في تشريعات الدول العربية وتطبيق هذه التشريعات عدليا وقضائيا، تتطلب التدقيق في هذه النصوص والأحكام والمحاضر المتوفرة والتي تعكس الاختلاف والتباين في مواقف التشريعات العربية من الفعل المثلي (الجزء الأول). إلا أن هذا التباين لا يفقد التشريعات العربية في هذا المجال صبغتها الردعية الغالبة مما يؤدي إلى انعكاسات سلبية لهذا التجريم على الأفراد وعلى المجتمع (الجزء الثاني).