إن التشريعات العربية لا تتعامل بنفس الأسلوب الردعي مع
الأفعال المثلية. فبالرغم من أنها تعاقب الأفعال المثلية إلا أنها تقر عقوبات متباينة الدرجات والخطورة على حقوق الأشخاص وعلى حياتهم. هذا التباين في العقاب يعود أصلاً إلى الأساس الذي انبنت عليه هذه التشريعات. ذلك أن أغلبها يعود إلى أسس تشريعية تعود للموروث الاستعماري أو متأثرة به (وهي بالأساس التشريعات المغربية، الجزائرية، التونسية، المصرية، اللبنانية، السورية، الصومالية، الكويتية، البحرينية، والإماراتية، والفلسطينية والقطرية). وهي عقوبات سالبة للحرية تتمثل في السجن وبعض الغرامات المالية (أ).
شق ثان من هذه التشريعات يعكس بعض القراءات للشريعة الإسلامية فكان العقاب جسديا: الجلد أو الإعدام.(السودان، السعودية، اليمن، وموريتانيا) (ب).
إن هذا التباين في العقوبات التي حددتها التشريعات العربية، وإن كان يتراوح من شهرين سجنا إلى الإعدام، إلا أنه يعكس بصفة جلية البعد الردعي في التعامل مع الفعل المثلي وهو ما يتدعم عندما نعرض لدور الأمن في التعامل مع الفعل المثلي ودور القضاء بوصفه الحكم بين الصالح العام وحقوق الأفراد الخصوصية.
أ - العقوبات المتأثرة بالحقبة الاستعمارية:
إن نفوذ الدول الاستعمارية في المنطقة وخاصة النفوذ الفرنسي والبريطاني، أثر بشكل كبير في تحديد شكل الأنظمة القانونية في المنطقة العربية، ويبرز هذا النفوذ في شتى المجالات ومن بينها المادة الجزائية. فمع بدايات الاستعمار في المنطقة ظهرت أولى المجلات الجزائية أو قوانين العقوبات التي لا تزال سارية حتى الآن وإن شهدت بعض التطورات الحديثة والتي لم تمس في جوهرها ما يدخل في باب الجرائم الأخلاقية وتحديدا الجرائم الجنسية بما تتضمنه من تجريم للأفعال المثلية. هذه القوانين التي طبعت المنطقة مردها النظرة التي كانت سائدة عند المستعمر في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لموضوع المثلية والذي لم يكن مجرما بصريح النصوص في المنطقة بل كان متسامحا معه على المستوى الاجتماعي وهو حال لا يزال يطبع الكثير من المجتمعات العربية.
هذه النزعة التجريمية أدت إلى ظهور أولى العقوبات الواضحة والثابتة في تشريعات الدول العربية (1) والتي حاولت أن تعطي بعض التفسيرات لهذا التجريم معتمدة أسبابا وأصولا شتى (2) أسباب لم تعد معتمدة اليوم في البلدان التي جرمت المثلية عندنا (3).
1 - أولى العقوبات المقننة في المنطقة العربية:
إن تأثير كل من التشريع الفرنسي والتشريع البريطاني على قوانين المنطقة كان متفاوتا في تجريم الفعل المثلي وضبط العقاب المناسب له. لذلك نميز بين كل من تأثير الاستعمار الفرنسي والاستعمار البريطاني:
بالنسبة للتأثير الفرنسي في قوانين المنطقة: نلاحظ أن مجلة نابليون التي كانت مطبقة في فترة التوسعات الفرنسية في شمال إفريقيا أو في منطقة الشام، لم تكن تجرم الفعل المثلي ولا تتعرض له مطلقا، إلا أنه عندما بدأت حركة التقنين في المنطقة وقع التنصيص على تجريم الفعل المثلي ومعاقبته بالسجن أساسا وتكميليا بالغرامة. وهو ما يدعو إلى الاستغراب وإلى التفكير في أسباب ذلك. والتي يمكن ردها إلى أن عدم تنصيص مجلة نابليون على المثلية لا يعني أنها كانت مقبولة اجتماعيا وخاصة في الأوساط المحافظة وهي التي كانت تقود الحركات الاستعمارية وهي التي كانت وراء حركات التقنين في أغلب البلدان المستعمرة. ولذلك نلاحظ مثلا أنه عند دخول الفرنسيين إلى بيروت قاموا بغلق منزل لتجارة الجنس الذكوري كان قائما في ظل الحكم العثماني بينما تركوا بيتا آخر لتجارة الجنس الأنثوي 42. هذه الأوساط المحافظة فرضت نظرتها الدينية القائمة على مفهوم معين للعائلة ونبذ المثلية على القوانين العربية لتلك الفترة. وحتى لا تسقط هذه الأوساط في التناقض مع قوانين بلدها الأصلي، لم تجرم الفعل المثلي إلا بالسجن من شهرين إلى ثلاث سنوات.
ففيما يتعلق بالعقاب نلاحظ أن هذه الدول تتفاوت في عقاب الفعل المثلي:
فعلى مستوى النصوص القانونية يمكن ترتيب هذه الدول كما يلي:
بالنسبة للحد الأقصى للعقوبة نجده مدرجا في المجلة الجزائية التونسية التي تعود لسنة 1913 في مادتها 230. هذه المادة التي لم تنقح أبدا من ذلك التاريخ. والتي تنص على عقوبة «ثلاثة أعوام» لمرتكب «اللواط أو المساحقة». ولا تترك هذه المادة للقاضي إمكانية التخفيف فيها فالقاضي مخير فقط بين الحكم ثلاث سنوات أو إخلاء السبيل.
هذا الحد الأقصى للعقوبة (3 سنوات) تشترك فيه تونس مع المغرب إلا أن المادة 489 من قانون العقوبات المغربي يضع حدا أدنى للعقوبة يتمثل في 6 أشهر سجنا. فيكون القاضي مخيرا في الحكم بالسجن من 6 أشهر إلى 3 سنوات مع إمكانية إقراره لغرامة تتراوح من 120 إلى 1000 درهم.
يلي هذا الحد الأقصى، ما ورد في المادة 388 من المجلة الجزائية الجزائرية والتي تضع حدا أدنى للعقوبة بشهرين وتضع سقفا لها بسنتين، وبإمكانية تغريم مرتكب الفعل بمبلغ يتراوح بين 500 و2000 دينار.
أما أقل هذه الحدود القصوى فتضمنته المادة 534 من قانون العقوبات اللبناني وهو سنة سجنا. ولم تحدد المادة الحد الأدنى للعقوبة إلا أنها تحيل على القاضي تحديد حده الأدنى ذلك أن منطوق المادة يقول: «يعاقب عليها بالحبس حتى سنة واحدة». فيكون للقاضي الحرية في تحديد أدنى عقوبة يرتئيها في حدود السنة.
أما بالنسبة للتأثير البريطاني في المنطقة العربية فقد كان منطلقه القانون الذي طبق أيضا في أجزاء أخرى من الإمبراطورية تهم المنطقة العربية وتحديدا: جنوب اليمن (عدن)، البحرين وعمان وقطر والمنطقة التي تشكل اليوم الإمارات العربية المتحدة، وكذلك في السودان. هذا القانون والذي كان متجاوبا مع التشريعات البريطانية السارية في بريطانيا نفسها. وقعت ترجمته في المنطقة من خلال المادة 377 من المجلة الهندية بعقاب المثلية بالنفي إلى 22 سنة أو بالسجن لمدة 10 سنوات أو بالغرامة. وفي سنة 1956 استبدلت المادة 377 في المناطق الخاضعة للسيطرة البريطانية في الخليج بمادة جديدة تعاقب الفعل المثلي بالسجن حتى عشر سنوات مع إمكانية العقاب الجسدي (الجلد)43.
هذا التأثير البريطاني الذي كان منبعه القوانين البريطانية التي كانت تجرم «فعل اللواط» وتعاقبه بالشنق من 1563 إلى 1861 حيث ألغي الإعدام وعوض بالسجن والغرامة وتدابير أخرى: الإخصاء مثلا. نجد آثاره لحد اليوم في قوانين المنطقة العربية وتحديدا بلدان الخليج العربي والتي حافظت تقريبا على العقوبات التي أدخلتها بريطانيا إلى المنطقة منذ 1861 وتأكدت سنة 1956.
فقد حافظت كل من قطر والبحرين على روح التشريع البريطاني بمكونيه: السالب للحرية والعقاب الجسدي. حيث تنص المادة 201 من قانون العقوبات على الحبس لمدة 5 سنوات وإمكانية الجلد. أما البحرين فينص قانونها الجزائي لسنة 1956 على السجن لمدة 10 سنوات وإمكانية الجلد. هذه العقوبة نجدها أيضا في قانون إمارة الشارقة الإماراتية. وتم تطبيقها في نهاية سنة 2005 على 12 رجلا عوضا عن السجن. كما تعمد كل من قطر والبحرين إلى تهجير المثليين من غير المواطنين، خاصة بالنسبة للعمالة الأجنبية، الآسيوية، وقد تم ذلك في مناسبات عديدة44. وهي عقوبة من رواسب قانون العقوبات للمستعمرات البريطانية لسنة 1861 والذي كان يقضي بنفي المثلي إلى حدود 22 سنة.
أما الكويت والإمارات العربية المتحدة فقد أبقت على عقوبة السجن، حيث يعاقب قانون العقوبات الكويتي في مادته 193 الفعل المثلي بسبع سنوات بينما يعاقب نفس الفعل في إمارة دبي إلى حدود 10 سنوات (المادة 177 من المجلة الجزائية لإمارة دبي) وإلى 14 سنة سجنا في إمارة أبو ظبي (المادة 80).
هذه الرواسب القانونية الاستعمارية والتي لا تزال تطبع قوانين منطقة الشرق وشمال إفريقيا والتي فرضتها القوى الاستعمارية لتتجاوب مع ثقافاتها وقوانينها المنطبقة في تلك الفترة أدخلت إلى المنطقة فكرة عقاب المثلية وتجريمها وهي فكرة دخيلة على هذه المنطقة وثقافتها والتي لم تكن بالأساس ثقافة نصوص قانونية محددة ومبينة للسلوك ومتدخلة في حميمية الحياة الخاصة فالمثلية وإن كانت مستهجنة اجتماعيا أو ثقافيا إلا أنها كانت من المسكوت عنه أو المسموح به ضمنيا (المتسامح معه) ولم تكن تسترعي هذا الاهتمام التشريعي ولم تكن تستوجب هذا العقاب وهذه الرؤية الردعية للمسألة والتي تنم عن خلفيات ثقافية واجتماعية مغايرة للخلفيات الثقافية والاجتماعية للمنطقة العربية. وحتى خارجها في منطقة الشرق ككل45.
ولذلك نتساءل عن أسباب هذا التجريم وهذه الشدة في العقاب.
2 - أسباب التجريم وشدة العقاب:
إن الرجوع إلى فترة تقنين تجريم الفعل المثلي في المنطقة العربية وهي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وسيطرة القوى الاستعمارية آنذاك على المنطقة، تجعلنا نتفحص بكل دقة الأسباب التي أدت إلى هذا التجريم وإلى تشديد العقوبات على الفعل المثلي.
ما نلاحظه هو أنه سادت أوروبا طيلة قرون طويلة عدائية منقطعة النظير تجاه الفعل المثلي والمثليين (ليصل الأمر إلى الحرق، والإعدام وبتر الأعضاء والخصي والإبعاد والسجن...) وهي عدائية ربطها العديد بالأفكار الدينية المسيحية (قراءة محددة لهذه الديانة) من ذلك مثلا أن بريطانيا شنت ولعدة قرون حربا على المثلية باسم الدين والنظام الاجتماعي والحشمة وغيرها واتخذت تدابير لإزالة هذه الأفعال بطرق تتجاوز ما يحصل اليوم في كل الدول العربية مجتمعة.
فمنذ أدخل هنري الثامن التعليم المسيحي إلى النظام القانوني الأنكليزي (سنة 1533) صنفت الأفعال المثلية (اللواط) بوصفها «رذيلة مقيتة وبغيضة»46 وكان عقابها حكم الإعدام شنقا من 1563 إلى 1861. وتم التوسع في مفهوم فعل «اللواط» ليشمل إلى حدود 1818 الجنس الفموي. فكان يعاقب عليه بالإعدام أيضا. وتواصل تجريم المثلية إلى حدود سنة 1967. وكانت العقوبات متفاوتة جدا تتراوح بين الغرامة المالية والسجن لمدة طويلة وكان المتهمون يقبلون بإجراءات قاسية وتدابير خطيرة على حياتهم لنيل إطلاق سراح مشروط أو تحت المراقبة. من ذلك: العلاج القسري، الصدمات الكهربائية، أو الحقن بالهرمونات47.
إن أسباب التجريم تعود بالأساس إلى ربط الفعل الجنسي عموما والمثلي خصوصا بأبعاد أخلاقية واجتماعية.
فبالنسبة للبعد الأخلاقي والذي يتعلق بالفكر الأخلاقي المسيحي أساسا والذي ينظر للرغبات الجنسية بوصفها مخالفة للتعاليم وللفعل الجنسي غير الشرعي( أي بين زوجين من أجل الإنجاب) بوصفه رذيلة تستوجب العقاب. وهو ما ترجم كنسيا إلى اعتبار اللواط «رذيلة مقيتة وبغيضة» وترجمته السلطات السياسية والأمنية إلى مجموعة من العقوبات والتدابير الردعية.
أما البعد الاجتماعي، والذي شرع لمدة طويلة قمع الأفعال المثلية فإنه يربط الفعل المثلي بمخالفته للمنظومة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع وهي العائلة. وينظر للتصرف المثلي وللشخص المثلي بوصفه خطرا على المجتمع وعلى الأفراد وخاصة الشباب.
هذه الأفكار كان قد حوصلها وزير الداخلية البريطاني Maxwell Five سنة 1953 بقوله: «المثليين بالإجمال يميلون إلى إظهار عورتهم ويجمعون الأنصار من حولهم ويشكلون خطرا على غيرهم وعلى الشباب خاصة»48 وهو ما أكدته وزارة الداخلية البريطانية تعليقا على تقرير لجنة جون ولفيندين John Wolfenden سنة 1957: «إن المجتمعات السودومية (المثلية) ونوادي اللواط تدعم «الكذب والوحشية وانعدام الحياء»49.
هذه الأفكار والمقاربات التي أدت إلى إدانة المئات من الذين اتهموا بارتكاب أفعال مثلية (بالموت، والإبعاد، والسجن والتغريب، والإخصاء الكيميائي والجلد...) لا زلنا نجد صداها في تشريعاتنا العربية اليوم وفي مواقف بعض قضاتنا ورؤساء نيابتنا ومحافظي أمتنا50.
إلا أن ما جد في الدول التي كانت مصدر تجريم المثلية والأفعال المثلية أنها تجاوزت ذلك مع نهاية الستينات من القرن العشرين وجاء ذلك نتيجة عمل جاد وعلمي وهادف، وهو ما لم يتحقق حتى الآن في دولنا العربية.
3 - تجاوز التشريعات المناهضة للفعل المثلي:
إن الدول التي كانت تجرم الأفعال المثلية وتعاقب عليها بدأت مع نهاية الحرب العالمية الثانية في مراجعة تشريعاتها وكان العمل على هذه المسألة عملا عسيرا جدا نظرا للإرث الطويل لمناهضة المثلية، إذ ترسخت هذه الثقافة لتعطي الانطباع بأن التجريم والعقاب على الأفعال المثلية هو بمثابة مسألة بديهية حيث قامت هذه الثقافة المناهضة للمثلية بتقديم ذلك وكأنه مسألة طبيعية بيولوجية لصيقة بطبيعة الإنسان لا فقط مسألة ثقافية.
ومع نهاية الخمسينات وبداية الستينات ومع التطور الذي شهدته المنظومة العالمية لحقوق الإنسان وتطور علم النفس الحديث حيث أصبح الرقي بالإنسان وحمايته هدف القانون والعلم وبقية مكونات المنظومة الاجتماعية، بدأ التفكير جديا في مراجعة المنظومة الجزائية لتساير هذا التطور. فقامت بلدان مثل كندا وأنكلترا بتسمية لجان متعددة الاختصاصات عهدت لها مهمة إعادة النظر في القانون المنظم للمثلية وتجارة الجنس.
وفي هذا الإطار تستوقفنا التجربة الأنكليزية نظرا لتأثر قوانين الشرق العربي بالقانون الأنقليزي المناهض للمثلية ونظرا أيضا إلى أن المناهضة القانونية للمثلية في أنقلترا استمرت قرونا طوالا وكانت الحجج المقدمة لتبرير تجريم الفعل المثلي والمعاقبة عليه، هي نفس الحجج التي تتداول اليوم للإبقاء على تجريم هذه الأفعال في بلداننا العربية.
في سنة 1954 وقع تعيين لجنة تحقيق يترأسها John Wolfender نائب رئيس جامعة «ريدينغ» كان دورها إعادة النظر في القانون المتعلق بالمثلية وفي القانون المتعلق بالدعارة. تواصل عمل اللجنة مدة ثلاث سنوات وقامت بمقابلة عدد كبير من الشهود من بينهم قادة دينيون ورجال أمن وقضاة وأطباء نفسيون وعاملون في الشأن الاجتماعي ومثليون وقدمت تقريرها سنة 1957.
كان تقرير اللجنة مبنياًوفقاً للطريقة التالية:
اعتبار المثلية غير أخلاقية ومدمرة للأفراد،
إن مستوى «الأخلاقية» على الصعيد الخاص ليست شأن القانون،
دور القانون هو الحفاظ على النظام العام والحياء بغية حماية المواطن مما هو مهين ومؤذ وتأمين الإجراءات الوقائية اللازمة ضد استغلال وإفساد الآخرين،
ليس دور القانون التدخل في حياة المواطنين الخاصة أو فرض نموذج سلوك محدد بالقوة،
لذلك لا موجب لتجريم المثلية التي تجري ضمن النطاق الخاص بين راشدين يبلغان 21 سنة على الأقل وبرضاهما51.
هذه النتائج لم تعجب وزارة الداخلية عند صدورها ولم تمرر في البرلمان إلا بعد عشر سنوات من تقديمها. أي سنة 1967.
هذه النتائج المنطقية غيرت الموقف من مناهضة المثلية في أنقلترا، أشد الدول مناهضّة للمثلية طيلة قرون. هذه النتائج المنطقية كانت حافزا لدول أخرى انتهجت نفس المنهج البريطاني ليصرح وزير العدل الكندي في نهاية الستينات-Pierre Elliot Trudeau- أنه «لا دخل للدولة في غرف نوم المواطنين»52.
إلا أنه ومن المفارقات أن التشريعات العربية التي تواصل تجريم الأفعال المثلية كترجمة لموروث استعماري قانوني لم تبدأ بعد التفكير في جدوى هذه التشريعات رغم تجاوزها في بلدانها الأصلية.
هذه التشريعات العربية ذات الجذور الاستعمارية بإمكانها اليوم إن أرادت مراجعة قوانينها المناهضة للأفعال المثلية أن تعود إلى أغلب هذه الدراسات التي دام إنجازها سنوات طويلة، وأن تقوم بنفسها بإنجاز دراسات جديدة لإعادة النظر في مواقفها من كل المسائل التي تستوجب أن تدرج في إطار الخصوصية التي يعود للقانون حمايتها لا الاعتداء عليها.
هذه الملاحظات التي يجوز أن نسوقها في إطار التشريعات العربية ذات الإرث الاستعماري هل يصح اعتمادها فيما يتعلق بتشريعات الدول العربية التي تعود إلى الشريعة الإسلامية لتحديد عقوبة الفعل المثلي؟
ب - العقوبات «المستمدة» من قراءة الشريعة الإسلامية:
تعود كل من التشريعات اليمنية والسعودية والموريتانية والسودانية إلى مبادئ الشريعة الإسلامية لتحديد عقاب الفعل المثلي بإقامة الحد على المثلي إذا توفرت شروط الفعل. هذا التمشي الذي يوافق قراءة معينة لمبادئ القرآن والسنة يمكن الرد عليه وذلك سواء بالنظر في أحكام الشريعة فيما يتعلق بالفعل المثلي (1) أو ببيان حدود هذا الفعل في القرآن والسنة وما دأبت عليه المذاهب (2).
1 - حكم الشريعة في الفعل المثلي:
إن ما نلاحظه في النص القرآني هو الحديث عن قوم لوط وعمل هؤلاء القوم. حيث تتحدث الآيات الكريمة عن إتيان قوم لوط للذكران شهوة من دون النساء وفعلهم الفاحشة وهم يبصرون ويقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر53.
إلا أن النص القرآني لم يبين حد فاعل فعل قوم لوط بصفة صريحة. بينما لم يتعرض مباشرة لفعل السحاق.
فبالنسبة لفعل قوم لوط فالسؤال المطروح هو هل أن فعلهم ينحصر فقط في إتيان الذكور من دون النساء ولذلك حلت عليهم نقمة الله وعقابه أم أن فعلهم كان أشمل من ذلك وهو ما جلب عليهم العقاب الإلهي؟
إن الرجوع إلى الآيات الكريمة ومختلف التفسيرات تبين أن عمل قوم لوط كان لا ينحصر في إتيان الذكور (وهي الصورة التي وقع الاكتفاء بها عند ذكر قوم لوط ومنها اشتقت كل المرادفات العربية للتدليل على الأفعال المثلية بين الذكور). فإذا كانت فعلة إتيان الذكور تبدو واضحة (سنعود إليها لاحقا لنتبيّن كيف كان هذا الإتيان الذي ميز قوم لوط) فإن عديد التفسيرات قدمت لتوضيح قطع السبيل وإتيان المنكر (وهي أفعال تلتقي مع نوع الفعل المثلي الذي كان يمارسه قوم لوط).
فبالنسبة لقطع السبيل، وإلى جانب المفهوم المعتاد لهذه العبارة، ذهب الطبري54 إلى أنهم كانوا يقطعون السبيل على من يمر بهم من الغرباء ليفعلوا بهم الخبائث. ويضيف الطبرسي55، أن قوم لوط «كانوا يرمون ابن السبيل بحذفه بأيديهم بالحجارة فأيهم أصابه كان أولى به ويأخذون ماله وينكحونه ويغرمونه ثلاثة دراهم وكان لهم قاضٍ يقضي بذلك».
أما فعل المنكر فقد استرعى أيضا اهتمام المفسرين نظرا لعموم اللفظ واتساعه. وقد حاول الطبري جمع هذه التفسيرات قائلا: «اختلف أهل التأويل في المنكر الذي عناه الله، الذي كان هؤلاء القوم يأتونه فقال بعضهم: كان ذلك أنهم يتضاربون في مجالسهم... وقال آخرون بل أنهم كانوا يحذفون من مر بهم... وقال بعضهم بل كان ذلك إتيانهم الفاحشة في مجالسهم»56.
ولبيان هذه الفاحشة ذكر الطبرسي أن مجالسهم «تشتمل على أنواع من المناكير والقبائح مثل الشتم والسخف والصفع والقمار وضرب المخراق وحذف الأحجار على من مر بهم....»57.
أما الرازي فقد فسر الفاحشة بأن قوم لوط «كانوا يأتون الرجال في مجالسهم يرى بعضهم بعضا»(58.
هذه الأفعال عبر عنها القرآن الكريم بالمنكر والفاحشة تصبغ أيضا أعمالهم المثلية. فقوم لوط لم يكونوا يمارسون المثلية برضا الطرف الآخر بل إن عملهم يمكن أن نصنفه بتصنيفاتنا الحديثة «بالاغتصاب» أو «الإكراه على فعل الفاحشة». وهو ما يمكن أن نستنتجه من مختلف الآيات الكريمة ومجمل التفاسيرالتي قدمت في ذلك. فبقراءة الآيات التي تعرضت لحادثة الملكين وهي الحادثة التي فجرت الغضب الإلهي59 نلاحظ بأن ما كان يرغب فيه قوم لوط ليس اقتراح فعل مثلي على ضيفي لوط، بل «إرغام هذين الضيفين على هذا الفعل» أي اغتصابهما. ففي تفسير هذه الآيات ذهب الطبري إلى تفسير قول لوط «فلا تخزون في ضيفي»: ولا تذلوني بأن تركبوا مني في ضيفي ما يكرهون أن تركبوه منهم»، «فلا تفضحون أيها القوم في ضيفي وأكرموني في ترككم التعرض لهم بالمكروه»60. هذا الرأي شاطره أيضا الطاهر ابن عاشور في التحرير والتنوير والذي يقر بأن من وجوه إتيان قوم لوط للفاحشة أنهم يكرهون المارين عليها»61. ففعل قوم لوط اتسع وتعدى الظاهر الشائع من إتيان الرجال62.
هذه الأفعال جعلت بعض الفقهاء يعتبرون أن «قوم لوط إنما عوقبوا على الكفر»63. وهو ما يفسر الغضب الإلهي والعقاب الذي طالهم جميعا بما فيهم الأطفال.
فعقاب قوم لوط لم يكن عقاب المثلية بل كان عقاب الإكراه والاغتصاب وقطع السبيل وفاضح الأفعال وكشفها والسلب وقطع السبيل، أي الاعتداء على الناس في أجسادهم وأملاكهم دونما احترام لأي عرف ولو كان احترام الضيوف وإكرامهم. ولذلك فربط فعل قوم لوط بالمثلية فقط فيه قراءة منقوصة تربط المثلية فقط بعمل قوم لوط وتربط العقاب الذي حل بهؤلاء القوم بالفعل المثلي فقط وهي قراءة منقوصة إن لم نقل خاطئة وخطيرة لأنها وظفت (ولا تزال) لعقاب الفعل المثلي وتسليط الغضب الإلهي عليه وهو ما نستنتجه من خلال القراءات العديدة التي أقرت حدودا لعقاب فعل قوم لوط باعتماد هذه الآيات القرآنية وغيرها مع تعزيزها بأحاديث نبوية على صاحبها السلام.
2 - حدود الشرع على الفعل المثلي: الاختلاف:
إن ما نلاحظه في الآيات القرآنية أنها لم تضع حدا واضحا لفعل اللواط ولا لفعل السحاق. وهذا الغياب لحدٍ قطعي وصريح للواط والسحاق وفي القرآن الكريم «ولد خلافا بين الفقهاء والمفسرين»64 ويمكن في هذا الإطار أن نقسم هذه المواقف إلى ما يلي:
عقوبة الفعل المثلي قياسا على حد الزنا: يقوم هذا التمشي، أمام غياب حد صريح للواط في القرآن على أن اللواط مساو للزنى في الاسم، فاحشة الزنا/فاحشة اللواط ومشارك له في المعنى لأنه «معنى محرم شرعا مشتهى طبعا فجاز أن يتعلق به الحد إذا كان معه إيلاج»65.
هذا الموقف أيده فقهاء مثل فخر الدين الرازي وأبو عبد الله القرطبي إضافة إلى فقهاء المذهب الحنبلي والشافعي.
فالرازي مثلا يرى بأن الشهوة صفة قبح وأن الشهوة الغيرية هي هامة لبقاء الإنسان بالتناسل وبقاء نسبه، لذا فالزنى لا يحقق إلا التناسل ويضيع النسب فهو بذلك فاحشة تستوجب الحد. أما اللواط فهو فاحشة أقبح لأنها لا تفضي إلى الولد، إلا أنه يساوي بينها وبين الزنى في الحدود66.
وهو ما يذهب إليه أيضا أبو عبد الله القرطبي الذي يساوي اللواط بالزنا لأنه وصل بين شخصين غير مبني على عقد أو زواج67.
إن هذه المقاربة بين الزنا واللواط نجدها حديثا في قانون العقوبات السوداني والذي ينص في المادة 316 منه على عقوبة الزنا سواء بفعل الإتيان بالفرج أو في الدبر بإعدام المحصن وبـ 100 جلدة لغير المحصن»68.
إلا أن تقريب اللواط من الزنا من شأنه أن يطرح مشكل الحد ذاته، فما هي العقوبة وكيف تنفذ؟
من الثابت أن القرآن الكريم لا يحتوي على أي حد للزاني والزانية سوى الجلد مائة جلدة بصريح سورة النور والثابت أيضا أن القرآن لا يحتوي على أي حد صريح للواط ولا للسحاق. ولتحديد عقاب الفعل المثلي، عمد المفسرون إلى تفحص الآيات المتعلقة بقوم لوط وبالقياس على الزنى لتحديد العقوبة.
فبالنسبة لعقوبة قوم لوط والتي اعتمدها الكثير من المفسرين لضبط عقوبة الفعل المثلي (بالرغم من أنها عقوبة لقوم بأسرهم على مجموعة كبرى من الأفعال التي قد يكون من بينها الفعل المثلي) فهي ليست بالوضوح المطلوب حيث كثرت التفسيرات المقدمة لهذه الآيات لتبين أنها غير متفق عليها. ففي سورة الأعراف: « وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا ۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (7 سورة الأعراف 84)، أما سورة العنكبوت فتذكر: « إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (29 العنكبوت 34). فهل قضى قوم لوط مَطَرًا أم أصابهم الرجز؟ اختلف المفسرون في معنى الرجز حيث ذهب البعض إلى أنه حجارة والبعض إلى أنه نار والبعض الآخر اعتبره خسفا69. فأية عقوبة وقع ترجيحها: حجر أم نار أم خسف أرض أم إمطار؟
إن الشائع هو اللجوء إلى الضرب بالحجر قياسا على رجم الزاني المحصن70. هذا الرجم الذي أثبته جل المفسرين دونما نص قرآني، هذا النص الذي لا يجعل حدا للزاني إلا المائة جلدة. وهي مسألة شائكة تدعو إلى التساؤل هل تم نسخ القرآن بالسنة أم نسخه بإجماع الصحابة؟71.
أمام هذه الإشكالات توجه شق من المفسرين والفقهاء إلى النظر في السنة المحمدية (على صاحبها السلام) للبحث عن أحاديث تعلقت بفعل اللواط أو السحاق للمساعدة على تحديد حكمهما وحدهما وهو ما أدى إلى إقرار عقوبة للفعل المثلي مستقلة عن عقوبة الزنا.
عقوبة الفعل المثلي في ما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: القتل: إن الأحاديث التي تعرضت للواط إما أحاديث مشكوك فيها أو عامة ومبهمة مما يجعل من الصعب ومن غير المنطقي تطبيقها. فمن ذلك أن حديث الرسول: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» فقد وقع إنكار سنده عن عكرمة عن ابن عباس وقالوا إن فيه اختلافا كما رفضه الجساس بناء على أن أحد الناقلين عمر بن عمر غير موثوق به. كما أن حديث الرسول: «أخوف ما أخاف عليكم عمل قوم لوط» فلعن من فعلها ثلاثا قال عنه الترمذي: «غريب». وحديث «إذا ركب الذكرُ الذكرَ اهتز عرش الرحمن» وصف بأن إسناده «لين موضوع»، وحديث ابن عباس: «إن اللوطي إذا مات من غير توبة فإنه يمسخ في قبره خنزيرا» وصف راويه بأنه يروي المناكير وأحد مصادره إسماعيل بن أم درهم لا يحتج به ووصف ابن الجوزي هذا الحديث ضمن الأحاديث الموضوعة» أما حديث «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فارجموا الأعلى والأسفل» فقد رفضه الجساس بناء على أن أحد الناقلين عاصم بن عمر غير موثوق به». أما حديث «سحاق النساء بينهن زنا» فقالوا إن إسناده لين72.
إن هذه الأحاديث الضعيفة والمشكوك في سندها وحتى الموضوعة لا تزال لحد اليوم مرجعا نجدها تستعمل في كل مرة نكون أمام فعل مثلي يرتكبه مسلم أو يرتكب على أرض الإسلام بينما لو كانت صحيحة الأسانيد ومعتمدة للجأ إليها مفسر كالرازي لتبرير حد اللواط ولما احتاج القرطبي وغيره من الأئمة إلى القياس بالزنى ومشقة تعليل ذلك بحجج منطقية لا نصية أو من السنة الشريفة.
هذه العوائق: غياب النص القرآني القاطع والبات، الشك في الأحاديث التي نقلت بشأن اللواط والسحاق، صعوبة قياس اللواط بالزنى جعل شقا من الفقه على رأسه الإمام أبو حنيفة يتجه اتجاها مغايرا ولا يعتبر اللواط جرم حد.
الفعل المثلي ليس جرم حد: أمام الفراغ القرآني وعدم وجود أحاديث صحيحة وموثوق بها ذهب فقهاء ومفسرون إلى اعتبار أن اللواط «وطء في فرج لا يتعلق به إحلال ولا إحصان ولا وجوب مهر ولا ثبوت نسب فلم يتعلق به حد»73. ولذا ذهب الإمام أبو حنيفة إلى جعل حد اللاطة هو التعزير فقط74.
كما ذهب بعض المفسرين إلى اعتبار أن اعتماد القرآن لعبارة فاحشة في بعض المواضع تعود على فعل السحاق أو اللواط، من ذلك قوله تعالى: « وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (4-النساء 15). وقد فسر هذه الآية أبو مسلم الاصفهاني بأن حد المساحقات الحبس حتى الموت75.
وبالاستناد إلى هذا التوجه يرى هؤلاء المفسرون أن حد اللوطي هو الإيذاء بالتوبيخ أو التعيير، استنادا إلى قوله تعالى: « وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (4- النساء 16).
إن اعتماد مواقف شرعية متشددة وأحيانا مجحفة بحق شريحة اجتماعية لم يصدر بشأنها نص قرآني بات وصريح ولم تشملها أحاديث نبوية صحيحة السند وموثوق بها واختلفت المذاهب والمفسرون بشأن حكمها وحدها من شأنه أن يرغب هذه الشريحة عن دينها أي عن بيئتها الثقافية والاجتماعية والأخلاقية. هذا التشدد من شأنه ألا يسهل مصالحة هذه الشريحة مع ثقافتها: فهذه الشريحة تكون أمام خيارين: فإما القبول بأحكام هذه القراءة المتشددة لمبادئ الشريعة ونبذ ذواتهم أو الإبقاء على ذواتهم ونبذ الشريعة ككل. ثم إن الترويج لهذه القراءة المتشددة من شأنه أن يجعل المثلي المسلم يعيش في حالة خوف دائم وقلق متواصل من الغضب الإلهي والاجتماعي ثم وعلى المستوى الاجتماعي إن التذكير بقوم لوط وربطهم فقط بالفعل المثلي يجعل المثليين عرضة لسخط المجتمع والعائلة وتشبيههم بقوم لوط قوم كل المفاسد والآثام.
إن تعدد التفاسير واختلافها لا يمكن إلا أن يؤكد أن الشريعة أيضا يمكن أن تقرأ قراءة متنورة لا تشدد فيها ولا إجحاف و يجب أن لا تقدم دائما بنصف وجهها القاتم الذي لا يقدم إلا على أنه مجرم للأفعال ومقيم لحدود الجلد والرجم بل إن من فقهاء ومفسري الإسلام من قام ومنذ ألف سنة أو يزيد ولا تزال مذاهبهم قائمة، بقراءة تعتمد نص الشريعة وروحها القائمين على العدل والمساواة.