القسم الثاني: المثليون أمام القضاء: في تحليل الأحكام القضائية

في هذا المجال، سنتناول كيفية تطبيق المادة 534 من قبل القضاء. وهذا ما سندرسه من زوايا عدة، الأولى مدى تطبيق هذه المادة، والثانية كيفية مباشرة الملاحقة، والثالثة وسائل الإثبات المعتمدة والرابعة التوقيف الاحتياطي والعقوبات.

نبذة أولى: مدى تطبيق المادة 534 عقوبات:

فقرة أولى: هل يُطَبّق النص على الهُوية أو الميل أم على أفعال معينة؟

السؤال الأول في رسم مجال تطبيق المادة هو معرفة ما إذا كان يُطَبَّق على ذوي الميول أو الممارسات الجنسية بمعزل عن إثبات أفعال معينة. فهل تُطَبَّق هذه المادة مثلاً على شخص يقرّ بأنه مثليّ، أو أنه يقيم علاقات مثلية دون التثبّت من أيّة علاقة معينة؟
في هذا المجال، يميل القضاء إلى الإجابة بالنفي. فقانون العقوبات يعاقب أفعالاً وليس ميولاً أو نوايا أو أفعالاً مبهمة غير مُحَدَّدة. وإذا تضَمّن عدد من الأحكام الصادرة عن القاضي المنفرد الجزائي في طرابلس إشارة إلى «المثليين» و»العلاقات المثلية»، فان سائر الأحكام التي تمّت مراجعتها تحفّظت عن إبداء أيّة ملاحظة بشأن الهوية المثلية88 وبدت وكأنها تؤثر الإشارة إلى عبارات مثل «يمارس اللواط» أو «يحب ممارسة اللواط» أو»معروف بممارسة اللواط» أو أيضاً «سيء السمعة» وما إلى ذلك من عبارات تؤول إلى إدانة فعل اللواط دون أيّة التفاتة إلى حوافز الشخص المعني بها. فكأنما ثمة تابو بهذا الشأن. ولا عجب إذ ذاك أن تبقى هذه الأحكام بطبيعتها تقنية إلى حد كبير.
لكن يهم في هذا الصدد لفت النظر إلى عدد من الملاحقات التي اتصلت بالميول المثلية أكثر مما اتصلت بأفعال معينة. وأهمها الادعاء العام الذي قدّمته النيابة العامة بمخالفة المادة 534 عقوبات تبعاً لادعاء امرأة ضد ابنها الراشد، على أساس أن ابنها يتشبّه بالنساء، مما يحمل على الشك بممارسة اللواط89. واللافت في هذه القضية أن النيابة العامة أمرت على أساس هذه الشكوى بالتحقيق مع الفتى وبإخضاعه لفحص طبي قبلما تدّعي عليه متجاهلة أن الطبيب الشرعي أثبت «عدم وجود أي أعراض تؤكد ممارسة المدعى عليه لهذا الأمر». واللافت إذاً أن أسناد الادّعاء العام، تماما كأسناد الادّعاء الشخصي المقدّم من الوالدة، لا أفعال معيّنة بل فقط سلوك الفتى وتحديداً تشبّهه بالنساء. وإذا أصدر القاضي حكماً بتبرئته، فقد تم ذلك لعلّة الشك الذي يفسّر لمصلحة المدعى عليه، وعلى أساس أن ما جاء في الشكوى لم يتعزز بأي دليل آخر يرفعه إلى مستوى اليقين. لا بل بدا الحكم وكأنه يأسف لتعذّر تكليف الأم تقديم إثباتات إضافية، بعدما قامت بالتنازل عن دعواها. والواقع أن هذه القضية تكشف عن وقائع بالغة الخطورة من زاويتين اثنتين: الأولى اعتبار الأم ذات صفة وصلاحية لتقديم دعاوى مماثلة؛ والثانية فتح الباب أمام فتح علبة باندورا على خلفية سلوك أو طريقة عيش ألخ.. وتالياً أمام كل أنواع التعسّف.
كما نسجّل في هذا المجال حكم إدانة لشاب على أساس أنه يتعاطى اللواط في محلة معينة في طرابلس، على أساس ممارسة اعتيادية لفعل ما، دون أن يبيّن الحكم هوية أي من هؤلاء الأشخاص أو حتى دون أن يربط بين الإدانة وأي فعل معين90. والواقع أن هذا الأمر يقرب من محاكمة الشخص بسبب هويته الجنسية أكثر من محاكمته لفعل معين، بدليل أنه يُستبعد مثلاً الحكم على شخص معين أنه سارق بحجة أنه اعتاد السرقة مع تجهيل هوية الشخص المسروق والمادة المسروقة على حد سواء. وما يعزز ذلك هو أن الحكم بدا مدركا لهوية الشخص الجنسية وميوله، بدليل ما جاء في حيثياته لجهة أن العلاقات الجنسية تتعلق بالحالات النفسية والبيولوجية التي تتحكم بكل فرد، وأن قانون العقوبات ما يزال، رغم ذلك، يعد العلاقة بين مثليين جنسياً (والتعبير للقاضي) غير طبيعية ويعاقب عليها وذلك بخلاف العلاقة التي تحصل بين شخصين غير مثليي الجنس (والتعبير أيضاً للقاضي) والتي يعُدّها القانون طبيعية. ورغم التفهم الذي عبر عنه القاضي سواء في الاعتراف بالميول المثلية أو في تحديد العقوبة، فإن فتح الباب أمام الإدانة دون حاجة لإثبات أفعال معيّنة يشكّل توسعاً في تطبيق المادة المذكورة على أساس الميول الجنسية، فضلاً عن أنه يفتح الباب أمام معاقبة طرف دون آخر، وتالياً أمام مزيد من الانتقائية. وهذا ما سنعود إليه لاحقاً.
التوجّه نفسه لجهة تجهيل الفعل، نلمحه في حكم صادر عن القاضي المنفرد الجزائي في بيروت91، حيث تمت إدانة شاب على أساس إقراره أنه مارس اللواط مع خليجي مع تجهيل هذا الشخص بشكل كامل، علما أن الملاحقات بدأت على خلفية «كتاب معلومات» بتورطه بالمخدرات.

فقرة ثانية: ما هي الأفعال المخالفة للطبيعة؟

هنا نلحظ أن التوجه العام في تفسير عبارة «خلافا للطبيعة» –وهي بالطبع عبارة إشكالية ومبهمة وقابلة للتأويل- مبني على افتراضات مفادها أنها تشمل العلاقات المثلية وأيضاً المجامعة بين رجل وامرأة بواسطة الشرج92، دون أي توسع في شرح مفهوم «الطبيعة» ومقاصد المشرّع منه أو مدى ملاءمته مع الظروف الاجتماعية الحاضرة. وإذا عكس هذا الأمر جزئياً تحفظاً عاماً لدى القضاة إزاء التوسع في تفسير القانون، فإنه يعكس أيضاً نوعية الدفاع الذي يتمتع به المتهمون أمام المحاكم، وربما أيضاً الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الأشخاص الذين تتم ملاحقتهم والتي تبقى بمنأى عن الخطاب العام المشار إليه في المقدمة. ولعل أبرز مساوئ افتراض الأفعال التي تشملها هذه العبارة دون تحليل هو إبقاء الالتباس بشأن فهم المشرع للطبيعة قائماً، ولا سيما لجهة معرفة ما إذا كانت مفهوماً كونياً صالحاً لكل العصور والكائنات، أم أنه مفهوم بيولوجي قابل للاختلاف بين فرد وآخر، أو أنه مجرد مفهوم ثقافي اجتماعي قابل للتغيّر تبعاً لتغيّر الظروف الاجتماعية، وهو أمر أساسي لبدء المناقشة بشأن مدى تطبيقه.
وفيما استشعر قلة من القضاة حاجة في تفسير عبارة «الطبيعة»، فان التفسير المقترح منهم بدا هو الآخر متأرجحاً بين معان وتعريفات عدة. ففي بعض الأحكام، اتخذ مفهوم الطبيعة طابعاً كونياً: ف»ممارسة الجنس من قبل مثليين مخالف لأحكام الطبيعة التي تتزاوج عناصرها ذكراً وأنثى»93 كما أن «فعل المجامعة المثلية مخالف للطبيعة الكونية بفعل تكوينها ونموها وازدهارها وتكاثر أعضائها» أو أيضاً أن فعل المجامعة بين مثليين لا يمكن أن يحصل إلا بصورة مخالفة للطبيعة وذلك بالنظر لتماثل طبيعتهما وتكوينهما الجنسي94. بالمقابل، بدا القاضي نفسه في حكمين اثنين أمكن درسهما، وكأنه يشكك في التعريف الكوني. ففي الحكم الأول، سجل القاضي بأن العلاقات الجنسية تندرج ضمن إطار الحياة الخاصة وتتعلق بالحالات النفسية والبيولوجية التي تتحكّم بكل فرد، قبل أن ينتهي رغم ذلك إلى إدانة الشخص المتهم بإقامة علاقات مثلية، على أساس أن القانون لا يزال يرى أن العلاقة بين مثليين غير طبيعية95. وقد بدا القاضي من خلال هذا الحكم قانعاً باختلاف الناس نفسياً وبيولوجياً، وضمناً بوجود ميول «طبيعية» نحو إقامة علاقات جنسية، ولكنه اكتفى بالتعبير عن هذه القناعة وربما أخذها بعين الاعتبار عند تحديد العقوبة، لينثني من ثَم لقناعة المشرّع التي هي تضع العلاقات المثلية كلّها في سلّة واحدة ولا تترك مجالاً للبحث في هذا الشأن. وقد عكس موقفه توازناً معيناً بين نية تطوير القانون (تفسير القانون على نحو أكثر تلاؤماً مع المكتشفات الطبية الحديثة ومع قيم المجتمع الحاضرة) وموجب التحفظ (تفسير القانون على نحو يعكس نية المشرع ومفاهيمه عند وضعه)، وهو موقف من شأنه أن يؤسس لمطالبة قانونية بعدم جواز تطبيق المادة 534 على الأشخاص الذين يثبت علمياً أنهم مثليون. وقد ذهب القاضي من ثم في اتجاه مشابه في حكم آخر حيث ورد حرفياً أن أحد الطرفين كان يستغل الطرف الآخر، «الضعيف ذكورياً والمختلف بطبيعته الجنسية عن طبيعة الذكور الظاهرة على ملامحه» ليدين الاثنين معاً على أساس المجامعة خلافا للطبيعة96، مما يشكّل هنا دليلاً آخر على فهم للطبيعة مختلف عن فهم المشرع لها وإن بقي القاضي ملتزماً بفهم هذا الأخير في تحديد الحكم.
بالمقابل، لم نعثر على أي حكم يتناول مفهوم الطبيعة من منطلق اجتماعي.

فقرة ثالثة: ما هي الأفعال الجنسية التي تشملها «المجامعة» خلافا للطبيعة؟

والأسئلة المطروحة هنا هي: ما المقصود بالمجامعة؟ هل هي تفترض بالضرورة علاقة بين شخصين من الجنس نفسه أم أنها تنطبق أيضاً على علاقات غيرية «غير سوية» كما إذا حصلت بواسطة الشرج؟ وهل هي تشمل، بشأن المثليين، أي علاقة جنسية؟ أم أنها تشترط لزوماً حصول «اللواط» أو الإدخال عبر الشرج، وخصوصاً على ضوء النسخة الفرنسية التي تتحدث عن «charnelle «conjonctionعلى نحو يفترض تزاوجاً أو تداخلاً جسدياً معيناً بحيث تكون شروط المادة 534 متحققة في هذه الحالة فقط فيما يعد الأمر مساساً بالحشمة أو خدشاً للحياء بشأن الأفعال الجنسية الأخرى التي لا تصل إلى هذا الحدّ؟ وإذا أمكن اعتماد هذا المعيار بشأن الذكور، فكيف يُطَبّق ذلك على العلاقات المثلية بين النساء؟
وهنا أيضاً، نسجل غموضاً في الأحكام التي قلما تلجأ إلى التحليل أو إلى وضع قواعد عامة بهذا الشأن.
فبشأن العلاقات الغيرية، نسجل عدداً من الأحكام المؤيدة، ومنها أحكام صدرت عن محكمة التمييز، لإخضاعها للمادة 534 في حال حصولها بواسطة الشرج على أساس أنها مخالفة للطبيعة. والغموض الذي تثيره هذه الأحكام يتأتى ليس عن إخضاع هذا الفعل للمادة المذكورة إنما عن إخضاع الرجل وحده لها، وكأنما لا يد للمرأة في المسألة، على نحو يهمش فكرة الاشتراك في الفعل التي ترشح عنها لغوياً جميع الأفعال على وزن «تفاعل». وهذا ما سنعود إليه أدناه.
أما بشأن العلاقات بين الذكور، فان التوجّه العام رسا ضمناً على عدّ اللواط شرطاً لتطبيق المادة. وهذا ما يتحصّل من تقارير الخبراء الآيلة إلى إثبات الإدخال بواسطة الشرج. كما يتحصّل بشكل خاص من الأحكام التي تنزع عن تطبيق المادة 534 إذا لم يثبت «اللواط»، وحتى لو ثبت أفعال جنسية أخرى. وهذا ما نقرأه بوضوح كلي في حكم صادر عن القاضي المنفرد في طرابلس والذي نص على عدم جواز تطبيق المادة المذكورة رغم ثبوت أعمال جنسية بين أشخاص من الجنس نفسه بواسطة الفم «لعدم ثبوت حصول أي مجامعة بين المدعى عليهم»97. وهذا ما نقرأه في أحكام كثيرة أخرى عدت أفعالا مماثلة مساً بالحشمة أو خدشاً للحياء دون تطبيق المادة 534 عقوبات98. وإذا عكس هذا الأمر توجهاً عاماً، فان أحد الأحكام ذهب في اتجاه مغاير، في حالة ثبت فيها أن قاصراً من فئة 15-18 مضغ عضو راشد99 دون حصول مجامعة. ويبدو أن التوسع في قراءة المادة 534 وعلى نحو يناقض التوجه العام لتفسيرها إنما يعكس قناعة لدى القاضي في وجوب إيجاد سند للمعاقبة في ظروف القضية تلك.
وختاماً في هذا المجال، يجدر الذكر إن أي توسع في تعريف المجامعة قد يفرض توسعاً موازياً في تعريف عبارة «جماع» وأيضاً عبارة «جماع كرهاً» الواردتين في المواد من 503 حتى 505 بشأن الاغتصاب وما يستتبع ذلك من توسع في الملاحقة وتشدد في المعاقبة بشأن هذه الأفعال كافة.
أما بشأن النساء، فإن ثمة أحكاماً طبقت المادة دون أي تحليل أو تعليل، مما يطرح علامة استفهام تبقى حتى اللحظة دون جواب100.

فقرة رابعة: هل يفترض تطبيق المادة 534 الرضى المتبادل والمسؤولية المشتركة؟

لغوياً، يبدو هذا الأمر بديهياً. فالمادة تعاقب فعلاً ارتكبه شخصان أو أكثر خلافاً للقانون، وليس اعتداء قام به شخص ضد آخر. وهذا ما نستشفه من تعبير «مجامعة» وهو يعني أن كلاً منهما جامع الآخر. فإذا لم يكن الرضى متوفراً، توجّب البحث عن أسناد أخرى للملاحقة ولا سيما في المواد التي تتصل بالاعتداء على العرض كالاغتصاب (503-505) والإكراه على فعل مناف للحشمة (507-510) أو أيضاً خدش الحياء (519-520)، مع ما يستتبع ذلك لجهة الاختلاف في شروط الملاحقة وأيضاً في شروط المعاقبة.
ورغم وضوح هذه القاعدة، فإن القضاء بدا هنا أيضاً متأرجحاً. وقد تجلى ذلك في أمرين اثنين:
الأول، أنه طبق غالباً على الفعل نفسه المادة 534 والمادة 505 (جماع قاصر) علماً أن هذه المادة وردت في نبذة الاغتصاب101 وأنها مبنية على الأقل في فقرتها المتصلة بجماع قاصر دون 15 سنة على فرضية أنه لا يعتد برضى هؤلاء الأطفال. وكأنه بذلك يعلن أن المادة المذكورة لا تفترض رضى متبادلاً على القيام بالفعل المذكور وذلك بخلاف الاجتهاد في فرنسا الذي رفض الجمع بين ملاحقة العلاقة المخالفة للطبيعة رضائياً مع قاصر وملاحقة مجامعة قاصر تحت 15 سنة، أي من الفئة التي لا يعتد برضاها102. لا بل أغرب من ذلك، ذهبت بعض الأحكام إلى حد إدانة الراشد على أساس 534 و505 والقاصر على أساس المادة 534 على نحو يجعلهم خارجين على القانون ومعتدى عليهم بموجب الفعل نفسه. وما يزيد الأمر قابلية للنقد هو أن «الجماع» ينطبق وفق محكمة التمييز حصرا على العلاقات الجنسية بين رجل وامرأة كما سبق بيانه.
الثاني، أنه ميّز أحياناً بين درجات الرضى، تمهيداً لتحديد المسؤوليات بين الطرفين. وبنتيجة ذلك، آلت بعض الأحكام إلى تبرئة ذمة الطرف الذي يظهر أنه الأقل مبادرة أو تحكماً بالعلاقة (وبالتالي) بمعزل عن أي اعتداء عليه إلى تخفيف مسؤوليته على أقل تقدير.
ومن أبرز القرارات التي أمكن مراجعتها في هذا المجال، القرار الصادر عن قاضي التحقيق على خلفية ادعاء النيابة العامة ضد ثلاثة أشخاص (راشدين وقاصر من فئة 15-18 سنة). ففي هذه الدعوى، أصدر قاضي التحقيق قراراً ظنّياً بحق راشد واحد فيما أصدر قراراً بحفظ الدعوى بشأن الشخصين الآخرين لانتفاء الدليل. فالظنين هو الذي لاط بالمدعى عليهما الآخرين اللذين لم يتبين أنهما مارسا اللواط معه أو أحدهما مع الآخر بل على العكس تم اللواط بهما103. وقد أكّد القاضي المنفرد الجزائي في حكمين متتاليين104 النتيجة التي وصل إليها القرار الظني. والواقع أن الحجج التي أدت إلى حصر الادعاء بأحد الراشدَين وحده بدت خطابية أكثر مما هي قانونية، بل ربما مجرّدة عن أي مفعول قانوني: فالطرف المبادر أو الأكثر تحكماً بالعلاقة يظهر مظهر المذنب، فهو سيء السمعة ويعمد إلى استدراج الأولاد والقصر وممارسة الجنس واللواط معهم وفقا لما نقله القاصر من أحاديث عنه دون أي دليل آخر، فيما يظهر الطرف الآخر (الراشد كما القاصر) بأنه مغلوب على أمره، حتى ولو ثبت رضاه أو حتى رغبته باستمرار هذه العلاقة. وفيما أفرد القاضي حيثية لتبرير استمرار القاصر في العلاقة لثلاث سنوات مفادها أن الراشد أوهمه بأنه إذا أخبر أحداً سوف يكون هو مسؤولاً عن ذلك كونه سيُخبر أهله، فحكمه بالمقابل خلا من أي واقعة من شأنها تخفيف مسؤولية الراشد الآخر، سوى أنه مفعول به وليس فاعلا! وقد ذهب قاضي الحكم في الاتجاه نفسه.
كما تجدر الإشارة إلى قضية ثانية أدان فيها القاضي الطرف الراشد وحده بناء على ادعاء قاصر (فئة 15-18 سنة) أدلى أنه انساق لطلب الأول فمارس معه الجنس خلافاً للطبيعة في بيته دون أن يدلي بأي إكراه أو عنف، لا بل حكم عليه القاضي أيضاً بتسديد مبلغ سبعة ملايين ليرة لبنانية كتعويض عن الضرر الأدبي والمعنوي. وقد علّل القاضي هذا التوجه بقوله أن «الجماع تم بواسطة القوة المعنوية والضغط النفسي الناجم عن فرق السن وارتباك المدعي وخوفه من الراشد الذي حاول استرضاءه بمبلغ زهيد من المال»105.
كما وجدنا توجهاً مماثلاً بخصوص مجامعة بين رجل وامرأة بواسطة الشرج. فخلافا لمحكمة الاستئناف التي رأت أن فعل المدعى عليه يشكل جناية (فحشاء) بحق المرأة وبعدما تثبتت من حصول الإكراه، رأت محكمة التمييز106 إن الفعل تم دون إكراه وأنه لا يشكل جناية إنما جنحة على أساس المادة 534 عقوبات لتنتهي إلى إدانة الرجل وحده.
والواقع أن القضيّتين تتشابهان فقط شكلاً: فقد آل التحليل في الحالة الأولى إلى إخراج أحد الأطراف من الملاحقة، فيما أدى في الحالة الثانية إلى تخفيف مسؤولية المذنب الذي تحوّل من مرتكب فحشاء وهي جناية إلى مجرد مخالف للطبيعة. لكن هذا التوجه يبقى في الحالتين قابلاً للنقد: فإمّا هنالك إكراه فيُحاكَم «المذنب» وحده أو ليس هنالك إكراه مما يوجب محاكمة الاثنين معا. أما أن يقال أن أحدهما مذنب والآخر مغلوب على أمره رغم رضاه بالأمر، (وربما تلذذه بذلك لسنوات)، بحجة أنه مفعول به وليس فاعلا، فذلك يعكس قناعة معينة مفادها رفض الاعتراف بوجود إرادة أو لذّة أو فائدة أو مصلحة أو حاجة مشتركة بين الطرفين في تحديد أدوارهما. وبنتيجة هذه القناعة، تظهر العلاقة، ليس على أنها تمرد يقومان به معاً ضد الأخلاق العامة، إنما اعتداء يقوم به أحدهما (الُمفسد) الذي يقتضي محاكمته ضد الآخر (البريء).

فقرة خامسة: ما هو جزاء المحاولة؟

بالطبع، لا مجال قانوناً لملاحقة محاولة المجامعة خلافاً للطبيعة، على أساس أن الجرم المذكور في المادة 534 عقوبات هو جنحة، وأن قانون العقوبات نص صراحة على عدم معاقبة المحاولة على ارتكاب جنحة ما لم يرد بشأنها نص خاص.
ولكن رغم ذلك، بدت بعض الأحكام على مسافة قريبة من معاقبة المحاولة، تحت غطاء الإخلال بالآداب العامة، عند حصولها في مكان عام أو تحت غطاء الحض على الفجور في حال عرض مبالغ مالية.
وهذا ما نقرأه في الحكم الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في بيروت بتاريخ 24-11-2006 والآيل إلى إدانة شخصين بجرم المادة 531 عقوبات (الإخلال بالآداب العامة) والحكم عليهما بشهرين حبس، بعدما قبض عليهما وهما يتبادلان القبل. واللافت أن الحكم (الذي بدا قاسياً إلى حد ما) قد برّر ذلك ليس فقط بالقبل، إنما أيضاً بأنهما «يتحضران لممارسة اللواط، بدليل ما تم ضبطه مع أحدهما». وإيراد هذه العبارة يوحي أن التشدد في العقوبة سببه تهيؤ الشخصين لممارسة الجنس معاً.
الأمر نفسه نتبيّنه في الحكم الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في بيروت بتاريخ 18-5-2009 والآيل إلى إدانة شخص بحجة أنه «تحرّش بشخص آخر ملامساً إحليله وعارضاً عليه ممارسة اللواط» والحكم عليه بشهرين حبس. ويبيّن الحكم أنه تمّ القبض عليهما من قبل دورية صودف مرورها، ليس على أساس الإخلال بالآداب العامة أو مشاهدة ملامسة شخص لإحليل آخر، بل على أساس أن الطرف الآخر ردّ على العرض بشهر سكين مهدداً إياه بعدم المحاولة مجدداً. وتالياً، يظهر أن الحكم الصادر هنا أدّى إلى معاقبة المحاولة أكثر من معاقبة التعرض للأخلاق العامة.
كما نلمح توجها نحو إدانة المحاولة تحت غطاء الملاحقة على أساس الحض على الفجور. وهذا ما لجأ إليه القاضي المنفرد في طرابلس حين عاقب راشداً عرض على قاصر ممارسة اللواط معه لقاء مبلغ من المال فأخذ القاصر المبلغ ولم يعد. فعدّ القاضي فعل الراشد حضّاً على الفجور (523)107، وذلك بخلاف الاجتهاد الفرنسي الذي عد الحض على الفجور في ظل النصوص القديمة حاصلاً فقط إذا تم تحريض القاصر على القيام بأفعال جنسية مع الغير.

نبذة ثانية: كيفية مباشرة الملاحقات:

هنا، ثمة فائدة من النظر في كيفية مباشرة الملاحقات، والتي هي أيضاً تظهر إشكالات عدة.

فقرة أولى: الدعاوى الناشئة عن شكوى مع اتخاذ صفة الادعاء الشخصي:

هنا، نجد عدداً من الشكاوى التي تستوجب النقد، أبرزها الشكاوى التي تقدّم بها القيّم على القاصر ضد الطرف الآخر الذي جامعه. والإشكال الذي يطرحه ادعاء مماثل أنه يصوّر دوماً الابن القاصر على أنه مجرّد معتدىً عليه لا ذنب له فيما يعدّه القانون أيضاً مذنباً، أقلّه بالنسبة إلى القصّر من فئة (15-18 سنة) كما سبق بيانه. وهذه الادعاءات غالباً ما تعكس نظرة اجتماعية مفادها أن ثمة شخصاً فاسداً يعمل على إفساد الغير، بعيداً عن أي تفكير بشأن الميول الجنسية للقاصر وحاجاته.
فضلاً عن ذلك، أشرنا سابقاً إلى الشكوى مع اتخاذ صفة الادعاء الشخصي التي تقدمت بها امرأة ضد ابنها الراشد بحجة أنه يتشبّه بالنساء، والتي قرنتها النيابة العامة بادعاء شخصي بعد إخضاع الشاب لتحقيقات وخصوصاً للفحص الطبّي. والواقع إن قبول صفة الأم في دعوى مماثلة هو أشدّ خطورة من مضمون الادعاء بحد ذاته. فما هو الضرر الشخصي الذي بوسع الأم التذرّع به لتبرير دعواها بشأن سلوكيات ابنها الراشد وميوله الجنسية؟ ثم ألا يؤدي قبول صفتها بتقديم ادّعاء مماثل إلى فتح الباب أمام تحالف الأهل والسلطة للتدخل في خصوصيات أبنائهم، وفرض سلوكيات حياة عليهم، حتى بعد بلوغ سن الرشد؟
ولكن أغرب هذه الادعاءات، يبقى بالطبع الادعاءات التي يتقدم بها أحد طرفي المجامعة ضدّ الآخر. وهذا ما نجد شواهد عليه بخصوص ادعاءات تقدمت بها بعض النساء ضد رجال، بحجة مجامعتهن خلافا للطبيعة. وما يعزز احتمالات تقديم دعاوى مماثلة هو توجه القضاء إلى التعامل مع هذه المجامعة على أساس أن الرجل معتدٍ والمرأة معتدى عليها، حتى ولو ثَبَتَ أن المجامعة تمَّت دون إكراه108 كما سبق بيانه. وبالطبع، من شأن ادعاء مماثل أن يفتح الأبواب واسعة أمام شتى أنواع الابتزاز وأيضاً أمام مجابهة أي ادعاء بالسرقة أو بارتكاب جرم بادعاء بممارسة اللواط.
وتجدر الإشارة أخيراً إلى أن غالبية هذه الدعاوى تنتهي عموماً بإسقاط الحق، الذي يتم على الأرجح نتيجة تسوية ما.
فقرة ثانية: الإخبار:

أبرز الحالات التي يجدر الإشارة إليها في هذا المجال هو إخبار تقدم به شخص ضد شابين يسكنان في شقة مجاورة له، وقد أرفق بإخباره فيلماً لمشاهد لهما صوّرها خلسة وتظهرهما حسب الإخبار في حال ملتبسة. ويظهر من حيثيات الحكم أن السبب المباشر للادعاء هو انزعاج هذين الشابين من الضجيج الذي يثيره هذا الجار، مما حمله على تقديم الإخبار ضدهما من باب ثنيهما عن ذلك. وبنتيجة هذا الإخبار، أخضعت النيابة العامة هنا أيضاً الشابين للتوقيف ولتحقيقات أهمها الفحص الطبي الذي عجز عن إثبات اللواط، قبل أن تدّعي بحقهما رغم خلو الملف من أي إثبات، على أساس المجامعة خلافا للطبيعة. وإذا كان الحكم الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في بعبدا قد أدّى إلى إنصافهما، فقد تم ذلك، دون أية إشارة إلى الإشكالية المتمثلة بمدى مشروعية التجسس على حياة الناس والاعتداء على خصوصياتهم. وهذا الأمر إنما يُظهر مدى التعسّف الذي تتيحه هذه المادة، بحيث أنها تسمح ربما بقلب الأدوار والمسؤوليات فيتحوّل الجار المزعج مثلاً إلى معتدى عليه والمنزعج إلى معتد ليس له أي حق بالتشكي. هذا مع العلم أن من شأن تدابير مماثلة أن تجعل أي شخصين من الجنس نفسه، يتشاطران شقة، في قفص الاتهام وعلى مرمى أي إخبار يتقدم به أحدهم.

فقرة ثالثة: الوشاية:

وأبرز حالاتها هو وشاية أحد الأشخاص موضوع الملاحقة بأسماء أشخاص يدعي أنه أقام علاقات مثلية معهم، فيتم استدعاؤهم وإخضاعهم للتحقيق تمهيداً للادعاء عليهم. وبالطبع، من النافل القول أن مباشرة الملاحقات على أساس معلومات من هذا النوع، وخاصة مع تزايد العلاقات المثلية في ظلّ أجواء توحي بالتسامح، يشكّل أحد أخطر الانتهاكات للحريات الخاصة وقد أدّت أحياناً إلى محاكمات جماعية كما هي حال إحدى الدعاوى ذائعة الصيت في طرابلس حيث شملت المحاكمة 33 شخصاً واستمرت لسنوات بين محاكم البداية والاستئناف. وهذا ما وجدنا شواهد عنه في عدد كبير من القرارات والأحكام موضوع الدراسة، من خلال الملاحقات الحاصلة بناء على هذه الوشاية109. وما يزيد الأمر خطورة هو تساهل النيابة العامة في الادعاء على أشخاص لا يثبت عليهم أحياناً أي دليل سوى هذه الوشاية. وقد بدا هذا الاستسهال واضحاً جداً في إحدى القضايا حيث سارعت النيابة العامة إلى الادعاء على شخصين لا يقوم عليهما أي دليل سوى أقوال القاصر الذي تراجع عنها فيما بعد أمام المحكمة، ليظهر جلياً ضعف المرتكزات التي أسندت إليها النيابة العامة ادعاءها110. كما نتبين تساهلا مماثلا في قضية أخرى من قبل قاضي التحقيق في طرابلس: ففي قضية قبض فيها على راشد مصاب باضطراب عقلي على خلفية تحرشه بقاصر، وشى هذا الشخص بشخصين تعاطى معهما اللواط سابقاً كمفعول به فتم استدعاؤهما والظن بهما والحكم عليهما فيما بعد رغم إنكارهما الواقعة واستغرابهما للزج بهما في هذه القضية. وأبرز دليل على هذا الاستسهال هو حيثيات القرار الظنّي نفسه حيث جاء حرفياً أن «إنكارهما لم يقترن بدليل كاف يعززه، خاصة إن ... وبإفادته الفورية لدى فصيلة الدرك عدد الأشخاص الذين كانوا يجامعونه والمكان والزمان ومنهم المدعى عليهما اللذين أكّد بمجامعتهما له»، على نحو يوحي أن الوشاية الصادرة عن شخص مصاب باضطراب عقلي يجعلهما مذنبين حتى إثبات براءتهما111.
كما أن بعض هذه القرارات والأحكام تضمنت إشارة إلى أساليب معينة خلال التحقيقات الأولية، كأن يطلب من الشخص موضوع الملاحقة تدوين أسماء جميع الأشخاص الذين «مارس معهم اللواط»112. كما نلفت النظر إلى أن بعض القرارات الظنية والأحكام عمدت إلى ذكر أسماء الأشخاص الذين أقر المدعى عليه أو المحكوم عليه –الملاحق بمفرده- بممارسة اللواط معهم كفاعل ومفعول به، من باب إثبات الجرم المعزو إليه، دون أن يتم استدعاؤهم أو الاستماع إلى إفاداتهم113. وتالياً، وإذا أحجم القضاء هنا عن ملاحقة الأشخاص بناء على وشاية، فانه ثبت بالمقابل قيامهم بأفعال مماثلة في أحكام لها الطابع العام.

فقرة رابعة: الجنحة المشهودة أو القبض في أحوال ملتبسة:

الحالات التي مرّت معنا هي حالات تم ضبط أشخاص فيها في الجرم المشهود أو أقلّه في أوضاع ملتبسة في أماكن عامة (الرملة البيضاء، الروشة، الدكوانة، الزاهرية، الميناء...) من قبل أجهزة أمنية متعددة (الأمن العام، شرطة بيروت، الشرطة البلدية في طرابلس، فرع المعلومات، حراس السجن ألخ..). وغالباً ما تتم الملاحقة هنا على أساس المادتين 531 و532 بخصوص الإخلال في الآداب العامة وأحياناً على أساس المادة 534 على أساس الشكوك التي تتولد بنتيجة تلك الأوضاع أو بنتيجة الاعترافات التي قد تليها.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن غالبية هذه الحالات تتناول أشخاصاً يفعلون، ليس رغبة بالتعبير عن مشاعر أو مواقف معينة في المساحة العامة، بل خلسة لعدم توفر مكان خاص، ودون أي نية في استفزاز أي كان. وهذا ما يفسّر أن الشاهد الأوحد في هذه الحالات هو الدوريات الأمنية فيما هي تبقى عموماً بعيداً عن أعين الناس. والواقع أن عدد هذه الملاحقات – وهي تشكل نسبة كبيرة من الملاحقات التي أمكننا مراجعتها- يؤشر على هوية الأشخاص موضوع الملاحقة وانتمائهم الطبقي.
ومن الملاحقات التي تستدعي الدرس ملاحقة ضد سجين عزي إليه أنه أقدم على خلع سرواله الخارجي وهو ينام على مقربة من أحد السجناء، فأوقفه الحارس ونقله إلى غرفة انفرادية قبلما يتم الادعاء عليه وقد انتهى الحكم في هذه القضية إلى تبرئة المدعى عليه على أساس أن «خلع السروال الخارجي دون سواه» لا يشكل إخلالا بالآداب العامة114.
كما تقتضي الإشارة إلى قضية تم فيها القبض على شخص يقود سيارته بمفرده في مكان يستشف من الحكم أنه أحد أماكن التلاقي، علما أن القبض عليه تم على يد دوريات هدفت إلى التصدي لازدياد حالات السلب في المنطقة. وقد تم الادعاء عليه من قبل النيابة العامة بعدما افاد الشاب المقبوض عليه أنه يرتاد المحلة المذكورة كل أسبوعين بقصد مشاهدة أشخاص يقومون بممارسة الجنس داخل السيارات وأنه يقوم في تلك الأثناء بمداعبة إحليله حتى يصل إلى النشوة ثم يغادر دون مضايقة أحد ودون أن يراه أي كان. وقد خلص القاضي المنفرد الجزائي في أميون إلى تبرئته على خلفية أنه لم يثبت أن المدعى عليه كان يقوم بمداعبة إحليله علانية أو أن أحداً قد شاهده أثناء قيامه بالفعل المذكور115. وقد تم تصديق الحكم بعدما قامت النيابة العامة باستئنافه116.

فقرة خامسة: كتاب معلومات:

هنا، وجدنا حالة واحدة. ففي حكم صادر عن القاضي المنفرد الجزائي في بيروت، وردت حرفياً العبارات الآتية: «تم التحقيق مع المدعى عليه لدى مكتب مكافحة المخدرات المركزي بعد توفر معلومات - يفهم منها معلومات من مخبرين - مفادها قيامه بإغراء الشبان ما بين عمر 16 و 18 سنة بالمال والمخدرات لممارسة اللواط مع أشخاص من التابعية الخليجية. وبالتحقيق معه اعترف بممارسة اللواط وأضاف انه قد تعرّف في صيف العام 2005 على شخص خليجي من خلال صديقه، وأن الخليجي هذا قد مارس معه اللواط لمرة واحدة وأعطاه مبلغ ثلاثين د.أ مقابل ذلك»117.
وهكذا يظهر جلياً أن سبب مباشرة التحقيقات هو «توفر معلومات» بشأن حض قاصرين على الفجور بواسطة مال ومخدرات، في حال أن التحقيقات انتهت إلى الادعاء عليه بجرم اللواط لمرة واحدة مع شخص خليجي، كل ذلك وسط تجهيل كامل لهوية الأشخاص المعنيين (سواء الشخص الخليجي الذي جامعه، أو القصر الذين اعتاد على حضّهم على الفجور) بل أيضاً وسط تجهيل هذه الجرائم التي هي بالطبع أكثر خطراً. وهذا التجهيل إنما يدل على أن مسار التحقيقات كان دون أي رابط مع المعلومات التي سيقت إليها.

فقرة سادسة: ظهور فعل عرضا في سياق التحقيق في قضية أخرى أو في معرض ادعاء أحد الأطراف المجامعة ضد الآخر بجرم مختلف:

هنا أيضاً نجد إحدى طرق مباشرة التحقيقات بشأن المادة 534 عقوبات، في سياق التحقيق في جناية معينة، كالقتل أو الموت بأسباب مجهولة. ولعل أبرز الحالات التي تم الاطلاع عليها هو التحقيق في جناية مقتل أحد الأشخاص، لقد تناول التحقيق شريكه في الحياة (وهو سوري الجنسية) لأكثر من 23 سنة وأيضاً في العمل. وقد أدّى ذلك إلى توقيفه لمدة تراوح سبعة أشهر وأسبوع، لتنتهي التحقيقات إلى الادعاء عليه بجرم المادة 534 عقوبات، والى إدانته لاحقا بهذا الجرم دون أيّة التفاتة من أي نوع كان إلى مشاعره118.
كما تجدر الإشارة إلى احتمال ظهور فعل اللواط بنتيجة ادعاء أحد طرفي المجامعة ضد الآخر كما حصل مثلاً في إحدى القضايا حيث إن المدعي بجرم سرقة ضد شخص جامعه وجد نفسه مدَّعياً عليه بجرم اللواط. والواقع أن هذه القضية ذات دلالة كبرى، بحيث أنها انتهت إلى إدانة المدعي بجرم اللواط دون تحديد هوية الشخص الذي جامعه والمدعى عليه بالسرقة. والواقع أن مباشرة الدعاوى لادعاء مماثل إنما يضع الأصبع على إحدى مساوئ المادة 534 الكبرى والتي تجعل الأشخاص المعنيين بها في موقف ضعف، يحرمهم عملياً من الحماية القانونية119، بحيث يتحولون من مدعين إلى مدعى عليهم.

فقرة سابعة: التفتيش ضمن وثائق ورسائل شخصية في ثكنات الجيش:

هنا، نجد حالة أخرى مفادها الادعاء على مجند في خدمة العلم، تبعاً للعثور على رسائل غرامية تبادلها مع شبان بحوزته. فبنتيجة ذلك، تم التحقيق معه والادعاء والحكم عليه بعد اعترافه بممارسة اللواط في أحد سجون السعودية كمفعول به120. ولا يتضمن الملف أي معلومات بشأن أسباب التفتيش ضمن وثائقه الشخصية. لكن يبقى أن الملاحقة هنا بدأت فصولاً في انتهاك كبير لخصوصياته.

نبذة ثالثة: وسائل الإثبات:

هنا سنتساءل عن أبرز وسائل الإثبات المعتمدة، والتي هي بدورها تطرح إشكاليات كبرى بشأن مدى ملاءمتها.

فقرة أولى: الفحص الطبي:

هذه الوسيلة هي شبه اعتيادية في الحالات التي ينكر فيها المدعى عليه أو المشتبه به الوقائع المنسوبة إليه. ويتم اللجوء إليها إجمالا في إطار التحقيقات الأوّلية لدى الضابطة العدلية (شرطة الآداب) بتكليف من ممثل النيابة العامة، ويجري الفحص المذكور عموماً في المركز المذكور. ومن أبرز أهداف الفحص ثلاثة: الاطلاع على الشرج ووصف شكله بدقة، وصف القضيب ولا سيما قدرته على الانتصاب، إجراء فحص لمعرفة إذا كان هنالك بقايا حيوانات منوية في الشرج أو في محيطه. وعدا عن أن بنود المهمة المناطة بالخبراء تظهر بحد ذاتها مدى تعرضهم لخصوصية الأشخاص موضوع الفحص، فإن الأطباء الشرعيين هم أول من يشكك في مدى إنتاجيتها ولا سيما في حال حصولها بعد فترة، ولو وجيزة، من تاريخ الأفعال موضوع الملاحقة. ولعل ابرز الشهادات في هذا المجال هي شهادة الطبيب الشرعي الدكتور إلياس الصائغ في فصل خاص عن اللواط ورد في كتابه المنشور في 1997 تحت عنوان:»الطب الشرعي العملي: مقتطفات خبرة وقانون» حيث ورد حرفيا الآتي:
«ومن الأعراض والمظاهر: انخفاض الناحية الشرجية وأخذها شكل القُمع وهو ما يزول بعد أيام كما الألم في الشرج والتغوط والتكدم والاحمرار في الشرج وشلل المصرة لبعض الوقت أيضاً. ومن المعروف بان هذه الإصابات والأعراض تزول في غضون ثلاثة إلى خمسة أيام في حال حدوثها وتجمع الكتب الطبية الشرعية على أن هذه الأوصاف ليست حكراً على اللواط لأنها تحدث في بعض الحالات المرضية في الشرج والاست مثل الحكة والديدان الرفيعة وبعض الأمراض. كما أن المشاهدات التي ذكرنا ووصفت عن السمجات والخدوش وانخفاض الاست على شكل قمع قد تجدها عند من لا شك في سلوكهم وتصرفاتهم كما قد لا تتواجد عند المدمن على اللواط وانه ليس هنالك دليل واضح يشير بشكل أكيد أو بصورة جازمة على حدوث اللواط والاعتياد عليه إلا إذا كانت هذه الأعراض أو الأوصاف قد ظهرت عليه مجتمعة كلّها أو إذا كان الكشف على المجني عليه فورياً أي ساعة حصول اللواط أو بعده بوقت قصير وهو أمر نادر الحصول. والدليل القاطع الوحيد هو وجود المني في الشرج أو الاست أو على الفخذين عندما يتم التحري عليه وتجريف الشرج وإيداع المختبر مقتناه والتفتيش على المني. أما بالنسبة إلى الفاعل والكشف على القضيب وما اعطي من أوصاف فهي أيضاً أشبه بالهراء لأنه قد تشاهد عند من لا غبار عليهم خلقيا أو أدبيا أو بعدا عن أي شبهة».
وتاليا، فإن فحص القضيب هو بالنسبة إليه مجرد هراء. أما فحص الشرج، فلا فائدة ترجى منه إذا لم يحصل خلال فترة وجيزة - يكاد يقول فوراً- وهذا هو الواقع حسب خبرة الطبيب، وأن وجود المني يشكل الدليل القاطع الأوحد على حصول الفعل، وهو أمر لا يحصل في حال استعمال وسائل الحماية.
لا بل أكثر من ذلك، أورد الطبيب الشرعي فقرة أخرى بالغة الأهمية يستشف منها أن احتمال التثبت من اللوطية الحادة حيث يقتصر اللواط على حالة عابرة منفردة أو نادرة هو أكبر من احتمال التثبت من اللوطية المزمنة التي تتكرر وتدوم. ف»اللواط إذا تم بلطف ورضا لا يترك أي اثر يساعد على التشخيص حتى في حال التكرار». وخلاصة القول أن اللجوء إلى الخبرة الطبية كوسيلة إثبات يصبح أقل إنتاجية ومصداقية في الحالات التي تحصل فيها المجامعة رضائياً وبشكل متكرر.
ويضيف الطبيب الشرعي أنه لم يلحظ في أي من حالات المهام المعروضة عليه بشأن ادعاء النساء بممارسة اللواط عليهن علامة واحدة موثوقة تؤيد حصول اللواط. لا بل ذهب إلى حد مراسلة قاضي تحقيق جبل لبنان من باب تبرير طلب إعفائه من القيام بمهمة الكشف على فتى للتحقق إذا كان يقيم علاقات جنسية أو تعرض للواط وقد ختم رسالته بعبارة ذات دلالة فائقة: «إني استنكف في اكثر الأحيان عن القيام بهذه المهمة التي بعد تجريدها من القرائن والثوابت وخلوها من أي عنصر من عناصر الجرم والتأكيد تمسي هراء وافتراء لا يقره علم أو فن أو يسمح به منطق وضمير».
وقد ذهب الطبيب الشرعي الدكتور حسين علي شحرور إلى حد ما في الاتجاه نفسه في كتابه بعنوان: «الطب الشرعي، مبادئ وحقائق» (سنة؟). فهو أيضاً ميز بين اللواط قسراً واللواط الرضائي، فرأى أن ممارسة هذا الفعل إذا حصل برضى الضحية وتم الإيلاج برفق وروية، فإنه لن يخلف آثاراً موضعية تذكر خاصة إذا كان القضيب متوسط الحجم وتم الإيلاج بحذر وهدوء فإن الشرج قد يتمدد لدرجة كافية بدون حدوث تسلحات. كما ذهب في الاتجاه نفسه لجهة القول بأن الحصول على بقايا منوية داخل الشرج أو حول فتحته يشكل العلامة الأكيدة للتشخيص، وان الآثار كلها تزول في مدة لا يزيد على الأيام الخمسة.
ورغم ذلك، فقد ذهب بعض الأطباء الشرعيون إلى الجزم بوجود لواط في القضايا المطروحة عليهم، بل إن بعضها ذهب إلى القول بوجود لواط مزمن والى نفي وجود لواط في الآونة الأخيرة في آن121. وبالطبع، هذه التقارير، التي شكلت أحياناً السند الأساسي للحكم، تطرح علامات استفهام كبرى. كما أن النيابات العامة لجأت مراراً في الحالات التي أمكن درسها إلى الفحص الطبي، وأحياناً بعد فترة طويلة من الأفعال المدعى بها أو أيضاً بمعزل عن أي فعل معين مدعى به، رغم خلو الملفات المقدمة إليها من أي إثبات جدي، كما حصل مثلاً في قضية الابن الذي يتشبه بالنساء أو أيضاً في قضية الشابين اللذين يسكنان معاً واللذين تعرضا لشكوى من الجار. وإذا آل عدد مهم من الأحكام إلى تبرئة المدعى عليهم لاستفادتهم من الشك على أساس أن الخبراء أعلنوا استحالة الجزم بحصول لواط، فإن ممثلي النيابات العامة مارسوا في حالات عدة الادعاء العام رغم خلو التقارير من أي تأكيد بهذا الخصوص.
هذا مع العلم أن بعض التقارير الصادرة عن أطباء شرعيين تعج بالآراء المسبقة بشأن سلوكيات الناس، على نحو يشكك في موضوعيتها العلمية. وهذا ما سنعود إليه في مكان آخر من هذا البحث.

فقرة ثانية: العطف الجرمي:

المقصود بالعطف الجرمي هو عدّ إقرار أحدهم بجرم معين ارتُكب بمشاركة شخص أو أشخاص آخرين (كما هي بالضرورة حالة العلاقات الجنسية) دليلاً على تورّط هؤلاء. وهذا ما نقرأه في حكم لافت، بشأن قضية سحاق أقرّت فيها إحدى المدعى عليهما بإقامة علاقة مع الأخرى التي هي أنكرت الواقعة122. فقد رأى القاضي «إن الإقرار لم يصدر عن شخص انكر ما هو منسوب إليه ليتملص من المسؤولية ويلقي بها على سواه، بل عمن اعترف على نفسه وعلى غيره في الوقت عينه بحيث لا يكون هنالك أي مجال للقول بأنه أراد إنقاذ نفسه وإلقاء المسؤولية على الغير». وقد خلص بنتيجة ذلك إلى إدانة المدعى عليهما معاً. والواقع، أن الركون لهذه الوسيلة الإثباتية من شأنه أن يؤدي إلى إدانة طرف قد يكون بريئاً مما يُنسب إليه، وأن يحصّن الطرف الذي ادعى الشيء زوراً أو دون إثبات إزاء مداعاته على أساس الافتراء أو الابتزاز. كما أن من شأنه أن يشجّع الضابطة العدلية على المضي في التحقيقات الآيلة إلى الحصول على أسماء جميع الأشخاص الذين مارس أو يمارس معهم الشخص المشتبه به اللواط، مؤخراً أو حتى منذ فترة، تمهيداً لملاحقتهم جميعاً تحت غطاء العطف الجرمي.
وهذا ما تنبه إليه القضاء في معرض النظر في قضايا المخدرات فبدا شديد الحرص على استبعاد القوة الثبوتية للعطف الجرمي إذا بقي مجرداً عن أي إثبات آخر.

فقرة ثالثة: مداهمات المنازل أو المحلات الخاصة:

هنا، نجد في الأحكام موضوع الدرس حالة واحدة حصل فيها مداهمة وقد اتصلت بمنزل خاص، علما أن المداهمة حصلت بسبب صدور قرار بحث وتحرّ عن صاحبه وإنها هدفت إلى العثور عليه وليس إلى ضبطه في الجرم المشهود123. ومن هذا المنطلق، يجدر التأكيد على أن الأحكام –وهي صادرة في السنوات الأخيرة- خلت من أي إشارة إلى مداهمة أي من الأماكن العامة التي يرتادها مثليون، مما يؤكد وجهة السماح والتمييز في هذا المجال.

فقرة رابعة: الشهادات:

هنا، يسجل أن شهادات صادرة عن أشخاص مقربين من المدعى عليهم (جيران، أهل..) شكلت في أحكام عدة الدليل الوحيد لملاحقتهم ولممارسة الادعاء العام ضدهم، دون أن تشكل هذه الشهادات بالمقابل دليلاً كافياً للحكم.
وبالفعل، فإن الادعاء العام تحرّك كما سبق بيانه على أساس شكوى مقدمة من والدة صبي يتشبه بالنساء دون أي دليل فأخضعه للفحص124، وادّعى عليه رغم خلو التقرير من أي إثبات. كما أن الادعاء العام تحرّك بناء على إخبار من الجيران مرفق بفيلم مصور ادعى أنه يتضمن صوراً ملتبسة دون أن تثبت النيابة العامة مضمونه125. والواقع أن التساهل في الادعاء رغم غياب الأدلة إنما يعكس هنا أيضاً موقفا مسبقاً إزاء من هم في دائرة الاتهام، وهو أمر جد مستغرب ولا سيما في ظل عدم وجود سياسة شاملة للتشدد في تطبيق هذه المادة.
والواقع أن ممارسة الادعاء العام في هذه الحالات على أساس إخبار أو شكوى مماثلة هو أمر قابل للنقد. وهو يفتح الباب أمام الوشاية والافتراء، والابتزاز والانتقام والتدخل في الخصوصية.

فقرة خامسة: الوثائق الشخصية:

وهنا، نجد قضية واحدة وهي قضية المجند المشار إليها أعلاه126. والواقع أن هذه المسألة تطرح إشكالية كبرى لجهة مدى مشروعية انتهاك خصوصية الرسائل.

فقرة سادسة: القرائن والمؤشرات:

وهنا نجد بعض القرائن والمؤشرات التي وردت عرضاً في الأحكام، كأدلة من شأنها تعزيز قناعة القاضي بحصول الفعل المعاقب عليه ومنها مثلاً اقتناء أفلام خلاعية127 أو حيازة أحد الأشخاص المقبوض عليهم على واق ذكري128 أو انخفاض رأس أحد ركاب سيارة129 أو فك أزرار البنطلون130 وأيضاً ظروف الالتقاء (بخصوص امرأتين بينهما فارق في السن والتقيتا في مقهى)131 أو السمعة السيئة132 أو خلع أحد السجناء بنطلونه الخارجي فقط وهو ينام قرب سحين آخر133. والواقع أن اللجوء إلى هذه القرائن والمؤشرات يشكل هو أيضاً مدعاة للنقد لما يفتحه من أبواب لمراقبة سلوكيات الناس وتوجيهها: فأن يقال أن ظروف الالتقاء تشكّل مؤشراً على ثبوت علاقة السحاق إنما يؤشّر إلى وجود ظروف طبيعية للالتقاء وظروف غير طبيعية بل أكثر من ذلك إلى وجود روابط اجتماعية طبيعية وأخرى غير طبيعية. وأخطر من ذلك بالطبع هو القول بوجود سمعة سيئة: فعدا عن أن هذا التعبير يشكل إدانة للشخص وليس لفعل معين ووصما له بالكاد يتماشى مع منطق قانون العقوبات، فانه بالكاد يعني شيئاً في مجتمع يدعي عن حق أو باطل أنه محافظ ومتدين.
فقرة سابعة: محاضر الأجهزة الأمنية:

هنا نجد وسيلة إثباتية أخرى قوامها المحاضر الصادرة عن أجهزة أمنية معينة. ويلحظ أن عدداً من هذه المحاضر نص ليس على ضبط أشخاص في الجرم المشهود إنما في «أوضاع ملتبسة»! وإذا استخدمت هذه المحاضر كسند للادعاء العام، فإنها غالباً ما لقيت نقداً بل نقضاً واضحاً في أحكام عدة.
وهذا ما نقرأه بشكل خاص في عبارات بليغة استخدمها الحكم الصادر عن القاضي المنفرد في طرابلس والتي قاربت حدود الاستهزاء. ففيما ادعت النيابة العامة على شخصين كانا في سيارة بحجة أن أحدهما كان منخفض الرأس عند تقفي دورية لسيارتهما، جاء حكم القاضي قاطعاً لجهة أن «انخفاض الرأس» لا يشكل إثباتا على الواقعة المدعى بها134. كما نقرأ الأسلوب نفسه في رد الادعاء ضد سجين خلع بنطلونه الخارجي «فقط دون سواه» كما سبق بيانه135.
والأسلوب نفسه نتبينه من خلال حيثيات الحكم الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في بيروت والآيل إلى تبرئة شابين قَبَض عليهما فرع المعلومات وهما في حالة ملتبسة على الشاطئ. ففيما ورد في محضر فرع المعلومات أن أزرارهما كانت مفكوكة، أدلى الشابان أن أزرارهما كانت كذلك لأنهما كانا تبولا قبل قليل من قدوم الدورية ليخلص الحكم إلى التبرئة لغياب الدليل136.
وكخلاصة لما تقدّم، جاز القول بأن وسائل الإثبات المعتمدة تثبت هنا أن تطبيق هذه المادة يبقى بطبيعته ملازماً لأمرين: الأول انتهاك خصوصيات الناس بشكل تتجاوز أضراره أضعاف ما تريد هذه المادة حمايته كما يحصل عند اللجوء إلى الخبراء الشرعيين لإثبات واقعة اللواط أو أيضاً اللجوء إلى قرائن ومؤشرات التي تعكس آراء مسبقة والتي تفترض بأية حال خضوع الناس لسلوكيات معينة وأيضاً اللجوء إلى تحقيقات بشأن العلاقات الحاضرة أو القديمة، والثاني الانتقائية الناجمة هذه المرة، ليس فقط عن سياسة المعايير المزدوجة، إنما بشكل مباشر عن طبيعة وسائل الإثبات التي تبقى نتائجها نسبية جداً كما تقدم بيانه. وهذا ما يسمح لنا بالانتقال إلى القسم الرابع الخاص بالعقوبات والتوقيف الاحتياطي.

نبذة رابعة: التوقيف الاحتياطي:

هنا، يجدر بداية التنبيه إلى أمرين اثنين:
الأول، إن إبقاء الأفراد المدعى عليهم قيد التوقيف الاحتياطي لمدة طويلة نسبياً (بشكل عام بين ستة أيام وشهر وقد تصل إلى أشهر عدة بالنسبة للأجانب137) هو أمر شائع، وذلك خلافاً لنص المادة 113 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تسمح بتوقيفهم لخمسة أيام على الأكثر.. لا بل أن توقيف المدعى عليهم يتقرر أحياناً رغم ضعف الإثباتات المقدمة ضدهم، كما حصل مثلاً في قضية الشابين المدعى عليهما من قبل الجيران. فمن الشائع أن تبقي النيابة العامة الأشخاص المدعى عليهم قيد الاحتجاز عند إحالتهم للقاضي المنفرد الجزائي الذي غالباً ما يبقيهم قيد التوقيف حتى انعقاد جلسة المحاكمة التي قد يقرب أو يبعد موعدها وفق كل قاض وكل محكمة. هذا مع العلم إن غالبية الأشخاص محدودو القدرات المادية مما يجعلهم عاجزين إجمالاً عن تقديم طلب إخلاء سبيل بواسطة محام أو أيضاً عن تسديد الكفالة التي قد يقررها القاضي كشرط للإخلاء. كما إن توقيف أشخاص قد يبلغ أشهراً عدة ولا سيما إذا تم ذلك في سياق التحقيق في جناية معينة، كما حصل مع أحد الأشخاص الذي قُتل صديقه، فتحتّم عليه الخضوع لتحقيق استمر ما يقارب 242 يوما.
الثاني، إن الآثار الاجتماعية للملاحقة والتوقيف الاحتياطي تتعدى غالباً من حيث آثارها، أي عقوبة جزائية قد ينالها المحكوم عليه على أساس المادة 534، علما أن هذه الآثار تزداد حدة وظلماً مع إطالة أمد التوقيف الاحتياطي (أي التوقيف بانتظار المحاكمة)، ولا سيما إذا خلا الادعاء من أي إثباتات جدية وانتهى إلى التبرئة كما حصل في عدد من الدعاوى المشار إليها أعلاه. فالشابان اللذان تم الادعاء عليهما من قبل أحد الجيران بقيا مثلاً قيد الاحتجاز 6 أيام (توقيف لدى الضابطة العدلية والنيابة العامة قبل الادعاء عليهما: 3 أيام، و 3 أيام بانتظار تعيين موعد الجلسة وإصدار الحكم)، وكان من الممكن أن يبقيا لمدة أطول لولا حكمة القاضي الناظر في القضية بحيث بادر إلى تعيين جلسة سريعة وأصدر الحكم في اليوم نفسه لاختتام المحاكمة - وهو حكم براءة -، وهو أمر يُسَجّل حُكماً كإيجابية في رصيده138.

نبذة خامسة: العقوبات:

هنا، جاز تسجيل الأمور الآتية:
- إن غالبية الأحكام الصادرة عن القضاة المنفردين قضت بإنزال عقوبة الحبس الفعلي بالمحكوم عليه على أساس المادة 534 أو المادة 531 من قانون العقوبات، علماً أن هذه العقوبات حددت إجمالاً بين شهر وشهرين أمام القضاة المنفردين في بيروت وبعبدا، فيما وصلت إلى ثلاثة اشهر أمام القاضي المنفرد الجزائي طرابلس، وهي تبقى مرتفعة بالنسبة للفعل المرتكب ولو كانت أقل من الحد الأقصى الذي يجوز الحكم به والذي قد يصل إلى سنة حبس.
كما نصّت في حالات معينة على عقوبة سنة حبس دون تضمين الحكم أي مبرر لهذه القسوة139 (والقاضي غير ملزم بذلك). فمثلا ًفي قضية الشبان الذين قُبِض عليهم في سيارة في طرابلس وأحدهم يمضغ إحليل الآخر، تم الحكم عليهم بعقوبة سنة، وقد خفضت العقوبة بالنسبة إلى اثنين منهم إلى تسعة أيام فقط، دون تخفيض عقوبة الشخص الثالث140. ويبدو أن هذا الحكم تأثّر بفترة توقيف كل منهم التي وصلت إلى سنة بالنسبة إلى الثالث، فحدد العقوبة النهائية على أساس فترة التوقيف.
لا بل أن بعض الأحكام تضمنت أحياناً عقوبات متفاوتة بين شخص وآخر على نحو يعكس قناعة القاضي بتفاوت خطورة الأفعال المرتكبة بل أحيانا تمسكه في إعلان ذلك. وهذا ما نقرأه بشكل خاص في القضايا التي استشف منها القاضي ثبوت استغلال طرف لطرف آخر. وهذا ما نقرأه مثلا في قضية حكم فيها على ثلاثة أشخاص بممارسة اللواط، وقد رأى فيها القاضي أن أحد المدعى عليهم يستخدم أحد رفيقيه كسائق بهدف استغلاله في ممارسة اللواط كما يستغل الآخر ويعده بالمال لأجل ذلك ليخلص إلى تحديد عقوبة الطرف المستغِل بستة اشهر حبس فيما حددت عقوبة الطرفين الآخرين بشهر حبس فقط141. وقد أوضح القاضي مفهوم «الاستغلال» في حكم آخر صادر بعد أقل من شهر: فالاستغلال لا يعني بالضرورة استغلال أحدهم قدراته المادية وحاجات الغير لإرضاء لذاته، إنما قد يعني أيضاً استغلال القوة الذكورية لإخضاع الطرف الآخر جنسياً وأيضاً للاستفادة منه مالياً. ففي القضية المذكورة، وبعدما أوضحت المحكمة «أن المدعى عليه الأول كان يستغل المدعى عليه الثاني الضعيف ذكوريا والمختلف بطبيعته الجنسية عن طبيعة الذكور الظاهرة على ملامحه، ويستعمله جنسيا ومن ثم يثير شفقته عن طريق جرّه في معاناته العائلية والمادية فيغدق عليه المال ويساعده في هذا المجال»، خلصت إلى إدانتهما معاً بجرم اللواط مع تمييز العقوبة فيما بينهما بشكل رمزي بحيث حددت العقوبة بالنسبة للأول بشهر ونصف وبالنسبة للثاني بشهر واحد142. والواقع أن مفهوم الاستغلال الوارد في هذين الحكمين يستحق الدرس ولا سيما على ضوء الأحكام الواردة في قانون العقوبات لجهة معاقبة الأشخاص الذين يعملون في مجال الدعارة، دون الزبائن. كما أن ثمة فائدة في مقاربة هذه الأحكام وما خلصت إليه في أحكام صادرة في قضايا تم فيها ملاحقة أشخاص أقاموا علاقات مماثلة ليس فيها فوقية لأحد على أحد. وبالإمكان في هذا المجال، الإشارة مثلا إلى قضية جمعت شخصين يعرفان بعضهما منذ سنوات وفقا لاعترافاتهما بحيث ذهب القاضي نفسه فيها إلى استبدال عقوبة الحبس بغرامة خمسمائة ألف ليرة لبنانية143.
بالمقابل، فإن عدداً من الأحكام نصّ على الاكتفاء بمدة التوقيف، أو وضع عقوبة مساوية لمدة التوقيف الواجب احتسابها. وفيما يشكل هذا الأمر أحياناً مؤشراً على التسامح، فإنه أحياناً أخرى يهدف –ولا سيما إذا كانت هذه المدة طويلة- إلى تبرير أمد التوقيف الاحتياطي (الذي ربما بلغ أشهراً) دون الإعلان عنه، فلا تبدو الدولة وكأنها احتجزت المدعى عليه لمدة أطول من العقوبة التي يستحق. هذا علماً أن أحد الأحكام خفض عقوبة الجماع مع قاصر لمدة استمرت ثلاث سنوات من ثلاثة أشهر حتى أسبوع مع غرامة مقدارها ثلاثمائة ألف ل.ل144.
- كما يُسَجَّل أن بعض الأحكام أعملت الأسباب التخفيفية في اتجاه استبدال عقوبة الحبس أو ما بقي منها بغرامة تراوحت إجمالاً بين مئة ألف وخمسمائة ألف ليرة لبنانية، مما يؤشر أحياناً إلى أن الغرامة التي لم تنص عليها المادة 534 من قانون العقوبات هي أكثر ملاءمة من الحبس في قضايا مماثلة. وقد تميزت محكمة الاستئناف الجزائية في طرابلس بهذا الاتجاه في قضايا مماثلة، بحيث آل عدد من القرارات الصادرة عنها إلى تصديق أحكام الإدانة مع استبدال عقوبة الحبس بغرامة145. وقد يفسر هذا الموقف بتسامح أكبر أو ربما فقط بميل إلى إنهاء القضية دون إعادة حبس المدعى عليه على أمل أن يكون التوقيف الاحتياطي وطول الملاحقة والتلويح بعقوبة الحبس في الأحكام الابتدائية عوامل ردع كافية. لكن القضاء، في هذه الحالات، قلما حدّد ماهية الأسباب التخفيفية التي تدفعه إلى ذلك؛ وقد بررها أحيانًا باعتراف الفاعل أو بمرور فترة طويلة على تاريخ الفعل موضوع الملاحقة146، دون أي إشارة إلى الأوضاع النفسية للفاعل أو إلى تغير الظروف والقيم الاجتماعية.
- كما يُُسَِجَّّل أن أحكاماً قليلة آلت إلى وقف تنفيذ العقوبة. ومن اللافت أن أحد الأحكام (القاضي المنفرد الجزائي في بعبدا، 8 آذار 2006) قد برر وقف تنفيذ العقوبة عن أحد المدّعى عليهم بشكل تميّز به عن رفيقه في الدعوى (الذي نال عقوبة شهرين حبس على أساس المادة 534 عقوبات) بأنه «أعلن الندم»147. والواقع إن هذا التعليل يعكس توجهاً قضائياً إلى عدّ علاقات مماثلة مجرّد نزوة أو لذّة يسهل الاستغناء عنها، على نحو يهمش أبعاداً إنسانيه بالغة الأهمية.
وتجدر الإشارة أخيراً إلى أن أحد الأحكام موضوع الدرس حكم بتعويض الضرر المعنوي والأدبي بمبلغ مقداره سبعة ملايين ليرة لبنانية، وذلك تعويضاً للمجامعة الحاصلة بين راشد وقاصر (من فئة 15-18 سنة)148. وقد صُدِّق هذا التوجه استئنافاً مع تخفيض التعويض إلى مليوني ليرة لبنانية149.
وكخلاصة لما تقدم، جاز إبداء الملاحظات الآتية بشأن تطبيق المادة:
أولاً، لا يوجد سياسة جزائية لاستبعاد النص أو تجاوزه بدليل استمرار الملاحقات على أساسه.
ثانياً، لا يوجد سياسة جزائية في فرض احترام هذا النص أو التصدي لمظاهر المثلية بدليل تقاعس الجهات المعنية عن ملاحقة رواد البارات والأماكن المعروفة من العامة على أنها أماكن تلاق للمثليين، وهي الحالات الأكثر بروزاً في المشهد اللبناني.
ثالثاً، أن ثمة توسعاً في تطبيق المادة المذكورة في الحالات التي أمكن درسها، سواء في تحديد مدى تطبيق النص، أو في تحديد وسائل الإثبات المعتمدة، أو في تحديد الشروط الشكلية لتحريك الدعوى العامة أو أيضاً في تعميم التوقيف الاحتياطي بانتظار المحاكمة.
رابعاً، إن قاضي الحكم أظهر في حالات عدة ممانعة في مماشاة النيابة العامة في اتجاه التوسع في تطبيق هذه المادة. وهذا ما عكسه عدد من أحكام التبرئة. كما أظهر تسامحاً معيناً في تحديد العقوبات.
وعلى أساس هذه الخلاصات، جاز الانتقال لاستعراض أبعاد تطبيق هذه المادة في المنظومة القانونية الاجتماعية اللبنانية.