د. وحيد فرشيشي152
تضع العلاقات الجنسية القاعدة القانونية أمام مشكلة تنظيم الحياة الخاصة وما هو أكثر حميمية في العلاقات البشرية أيْ الجنسية المثلية153.
والواقع أن الهيئات السياسية/القانونية تضع دائما أحكاما معيارية إما ««للعقاب أو للتسامح أو في حالات نادرة لحماية الجاذبية الجنسية والعاطفية للأفراد نحو أشخاص من نفس الجنس»154.
وعلى هذا النحو فإن الموقف إزاء العلاقات الجنسية التي تنشأ سرا بين البالغين من نفس الجنس قد انتقل من القمع إلى التسامح إلى نوع من الاعتراف. غير أن هذه المراحل الثلاث التي مرت بها العلاقة الجنسية المثلية في بلدان الاتحاد الأوروبي توقفت فيما يتعلق بالقانون التونسي عند مستوى تجريم واضح بجلاء في القانون الجزائي155، غير أن تطور حق احترام الحياة الخاصة أضفى على هذاالتجريم طابعا نسبيا.
فالقانون التونسي وإن كان صريحا جدا في تجريمه للعلاقات / الأفعال المثلية إلا أننا لا نكاد نجد تطبيقا لهذا النص. فإن نصت المادة 230 من القانون الجزائي على أنه : «اللواط أو المساحقة إذا لم يكن داخلا في أية صورة من الصور المقررة بالفصول المتقدمة يعاقب مرتكبه بالسجن مدة ثلاث أعوام»، إلا أننا لم نعثر إلا على حكم قضائي واحد يستند إلى هذه المادة وقد قامت محكمة التعقيب بنقضه 156. وهو أمر يمكن أن نرجحعه إلى:
صعوبة تطبيق هذه المادة والتي إذا ما قارناها بالمواد السابقة لها تكون صعبة الإثبات فهي لا تسري إلا على أفعال بين راشدين من نفس الجنس بصفة سرية لا علنية، إذ أن العلنية تطبق عليها المادة 228 من القانون الجزائي والممارسات مع غير الراشدين ولو كانوا من نفس الجنس تطبق عليها المواد 228 مكرر من نفس المجلة.
إن صعوبة تطبيق هذه المادة وقعت ترجمتها في بعض القرارات القضائية الصادرة في بداية الثمانينات عن محاكم الأصل. إلا أن محكمة التعقيب/التمييز قامت بنقض ذلك الحكم. وهو ما يمثل المرة الوحيدة (بحسب ما توصلنا إليه من أحكام وقرارات) التي تم فيها اعتماد المادة 230 صراحة ومباشرة من قبل القضاء.
فبالرجوع إلى الحكم الصادر عن محكمة التعقيب/التمييز الصادر في 15 ماي/أيار 1982 في القضية الجزائية عدد 7335 نلاحظ تطبيقا للمادة 230 من المجلة الجزائية بصفة صريحة من قبل محاكم الأصل (محكمة البداية ومحكمة الاستئناف) والتي أسست حكمها مباشرة على هذه المادة إلا أن محكمة التعقيب/التمييز نقضت هذا الحكم لعدم توفر شروط المادة 230.
ففيما يتعلق بمحاكم الأصل فقد عمدت إلى تكييف الواقعة المتمثلة في ممارسة الفاحشة بين راشد وقاصر (شاب لم يبلغ 18 سنة) بدون رضا هذا الأخير وداخل منزل خاص. بأنه لواط إيجابي بمعنى المادة 230 وقضت المحكمة بالسجن مدة 6 أشهر وبغرامة مالية قدرها 300 دينار. وهو التمشي نفسه الذي أقره الحكم الاستئنافي مع التعديل في مدة الحبس والحط منها إلى 3 أشهر فقط.
هذا التوجه نقضته محكمة التعقيب لعدم توافقه وشروط جنحة اللواط. والمتمثلة أساسا في الممارسة الجنسية بين راشدين من نفس الجنس سرا وبرضاهما معا. ولذلك لا يمكن محاكمة الراشد الذي مارس الجنس مع ذكر قاصر بدون رضاه على معنى المادة 230. بل كان من الأفضل تطبيق المواد السابقة للمادة 230 وخاصة المادة 228 والمتعلقة بالاعتداء بالفاحشة على أي شخص ذكر أو أنثى والتي ترفع العقاب إلى 5 أعوام بالنسبة للاعتداء على الراشدين وإلى 12 عاما سجنا إذا كان الضحية دون 18 سنة.
إن هذه الشروط جعلت إيقاف من يشتبه في سلوكهم «الجنسي» لا تتم بموجب هذه المادة. وفي هذا الإطار وبالحديث مع أشخاص تم إيقافهم من قبل رجال الشرطة بسبب مظهرهم أو لباسهم أو حركاتهم واحتجازهم لمدة لم تتجاوز بعض أيام إلا أنه لم توجه لهم تهمة المادة 230 من المجلة الجزائية. وذلك لعدم توفر شروط هذه المادة وهو ما يمثل (إن قارنا الوضع في تونس مع ما شهدته مصر أو الأردن حديثا) درجة من درجات التسامح الفعلي لا القانوني. وهو ما ينفي وجود سياسة اضطهاد ومعاداة علنية للمثليين وما أكده أيضا أغلب الأشخاص الذين قمنا باستجوابهم.
إلا أن وجود هذه المادة يمثل أرضية يمكن أن تستغل وتستعمل (عندما تريد الهيئات الرسمية) لإيقاف المثلي والتحقيق معه وإمكانية إحالته على العدالة بموجب المادة 230 من المجلة الجزائية.
وتشكل الجنسية المثلية بالنسبة للقانون «رهانا رمزيا»157. وتطرح مسألة معرفة ما إذا كانت القواعد القانونية تملك أو لا تملك تحديد ما هو النموذج المشروع للتعبير عن الرغبة؟ وهل للقانون دور في تنظيم العلاقات الجنسية؟
وتتحدد المشكلة إذاً على مستوى هذه العلاقة من الناحية القانونية ومن الناحية الفعلية: فالتفضيل الجنسي والممارسات الجنسية ليست من حيث المبدأ مسائل قانونية بل هي مسائل واقع فعلي. غير أن المسألة التي تطرح نفسها تتعلق بمعرفة ما إذا كان لهذه الوقائع عواقب قانونية على مستوى حقوق والتزامات الأشخاص الذين لديهم تفضيل جنسي للأفراد الذين من جنسهم (الجنسيون المثليون/الجنسيات المثليات).
وتحدد القاعدة القانونية الحقوق والالتزامات التي تفصل مجالات التحريم والإباحة: على هذا النحو تقدم القاعدة القانونية نفسها باعتبارها أداة تجسد اختيارا سياسيا يتمثل هدفه في تعديل / أو تأطير الظواهر التي لا مناص من أن يواجهها كل مجتمع (من بين العلاقات الجنسية). وعلى هذا النحو فإن القانون يؤكد الاختيار السائد للمجتمع في لحظة بعينها. ولهذا تغدو القاعدة القانونية توهُّما شرعيا للحل المختار.
غير أن الاختبارات الجنسية لمجتمع ليست ثابتة. وتنبع هذه الظاهرة من أخلاق المجتمع (التي هي ذاتها متغيرة) تماما مثل مبادئ الحرية والمساواة (التي لا تكف عن أن تتوطد وتتعزز) فتكشف عن أهمية هذه المسألة في المجتمع والقانون التونسي وهذا على مستويات عديدة: إضفاء الطابع الديمقراطي على المجتمع، وإصلاح أساسي للدستور في اتجاه ترسيخ الحريات الفردية، وإعادة تأكيد مبادئ المساواة158،وهي لا يمكن أن تمر دون انعكاسات بعينها، على مجال الحياة الخاصة التي يجب أن لا يطالها القانون وناهيك بالقانون الجزائي.
ولذا فإن العلاقات الجنسية، ومن بينها العلاقات بين أشخاص راشدين من نفس الجنس التي تمارس سرا وبرضاهم ينبغي ألا يُعاقب عليها، مع ترك المجال لمناخ متسامح، يتمثل فيه حق احترام الحياة الخاصة ومبدأ مساواة الجميع أمام القانون وهما مبدآن أساسيان لكل مجتمع يريد أن يكون ديمقراطيا.
ولكنْ الأمور ليست على هذا النحو في القانون التونسي في الوقت الحاضر. والواقع أن تجريم الجنسية المثلية بين الذكور أو بين الإناث مذكور بجلاء في المادة 230 من المجلة الجزائية، التي تجعل من تونس واحدا من سبعين بلدا في العالم تحظر العلاقات الجنسية المثلية ( الجزء 1)، في حين أن كل بلدان الاتحاد الأوروبي لا تعاقب على هذه العلاقات، دون أن يتم تحويل عدم المعاقبة إلى إقرار. غير أن هذا التجريم للعلاقات الجنسية المثلية بين البالغين المتراضين يكتسب طابعا نسبيا عن طريق الحق في حماية الحياة الخاصة (الجزء 2).
وهكذا فإن تطوير حق احترام الحياة الخاصة والحميمية للأشخاص استطاع أن يَحُدّ من آثار جنحة الجنسية المثلية التي تظهر دائما في قانوننا الوضعي.